سورة البقرة | حـ 209 | آية 185 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يقول الله تعالى في سورة البقرة "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" وفسر النبي ﷺ ذلك بقوله "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته".
- •استخدام لفظ "رؤيته" وليس "إبصاره" يحمل معجزة، فالرؤية تشمل الإبصار بالعين المجردة والمسلحة بالتلسكوب والأقمار الصناعية والحساب.
- •فعل "رأى" في اللغة العربية يتعدى لثلاثة مفاعيل كفعل "علم"، ويستخدم للإبصار والرأي والمنام.
- •استخدام لفظ "شهد" في الآية وليس "أبصر" أو "رأى" يراعي تطور وسائل الرؤية عبر العصور المختلفة.
- •هذا يجعل الإسلام قابلاً للتطبيق في كل عصر، وهو إعجاز يدل على أن القرآن من لدن حكيم خبير.
- •قوله تعالى "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" يؤكد أن الشريعة مبنية على اليسر ورفع الحرج.
- •الله لا يريد من المسلمين إلا اليسر، ولا يريد لهم تكلف العسر.
مقدمة في آية صيام شهر رمضان وتفسير النبي لمعنى الحضور
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى في شأن شهر رمضان:
﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]
أي من حضر منكم الشهر فليصمه. والنبي صلى الله عليه وسلم فسّر لنا ذلك الحضور وكيف يكون، فقال:
«صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا»
صوموا لرؤيته يعني لرؤية الهلال.
الفرق بين الإبصار والرؤية في حديث صيام رمضان ووسائل تحقق الرؤية
هل قال [النبي ﷺ] صوموا لإبصاره أم قال صوموا لرؤيته؟ قال صوموا لرؤيته، لم يقل لإبصاره. فبماذا تتم الرؤية؟ تتم بالإبصار؛ هذه النقطة الأولى، وتتم بالتلسكوب وليس بالعين المجردة، بالعين المسلحة.
إذن عين الإنسان قد تكون مجردة من الآلة فيرى الهلال، وأحيانًا تكون مسلحة بالآلة التي هي في المراصد، التي هي التلسكوب والعدسة المكبرة، فيرى الهلال بعينه أيضًا.
وقد يكون ذلك عن طريق القمر الصناعي يرصد الهلال وينقله إلى الشاشة في التلفاز الذي لديك في الأسفل فتراه بعينك، نعم لكن تراه عن طريق الشاشة أيضًا؛ هذه رؤية.
الرؤية بالحساب الفلكي وشمولية معنى رأى في اللغة العربية
وقد تكون [الرؤية] بالحساب؛ لأن القمر والشمس:
﴿ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: 5]
فالقمر والشمس لا يتقدم أحدهما على الآخر ولا يتأخر، بحسبان الشمس والقمر بحسبان.
إذن كلمة «رأى» تعني علم. صوموا لرؤيته؛ فالرؤية تشمل الإبصار، والرؤية تشمل العين المسلحة، والرؤية تشمل العين المدركة، والرؤية تشمل الحساب.
يبقى إذن هذه معجزة؛ لأنه [النبي ﷺ] استعمل الفعل في اللغة العربية الذي يصلح لكل ذلك. ولذلك «رأى» تُستعمل للعين المبصرة، وللرأي فيقول رأيتُ رأيي، وللمنام فتقول رأيتُ رؤيا، وهكذا.
فعل رأى وعلم يتعديان إلى ثلاثة مفاعيل في أفعال العلم والإدراك
فـ**«رأى»** كـ«علم» تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، وليس هناك إلا «رأى» و«علم» من الأفعال التي تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل.
في حين أن المفعول القاصر مخصوص هكذا، وهو يتعدى إلى مفعول واحد وإلى مفعولين وإلى ثلاثة مفاعيل، التي هي أفعال العلم والإدراك مثل «رأى» و«علم».
إعجاز القرآن في استعمال لفظ الشهود بدل الإبصار ليناسب كل العصور
فعندما يستعمل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الفعل [رأى]، ويأتي في القرآن الكريم فيعلّمنا ربنا أن المسألة مسألة شهود وليست مسألة إبصار؛ فيجعل هذا مع ذاك الإسلامَ قابلًا للتطبيق، آخذًا بالسقف المعرفي والعلم في كل عصر إلى يوم الدين. أيضًا معجزة.
فلماذا لم يقل [الله تعالى]: من أبصر منكم الهلال صوموا لإبصاره؟ كان بإمكانه [ذلك]. ولماذا لم يقل هنا: من رأى [منكم]؟ أيضًا، فمن رأى منكم الشهر أو من رأى منكم الهلال؟ لا، بل قال:
﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ﴾ [البقرة: 185]
فلا يصح أن نقول «شهد الهلال»، بل منكم الشهر؛ يعني حضر مع المسلمين الشهر.
مراعاة القرآن لتقلبات المسلمين عبر التاريخ وإعجازه في صلاحيته لكل زمان
فراعى [القرآن الكريم] كل ما تقلّب عليه المسلمون عبر التاريخ، وراعى كل ما يتقلبون عليه عبر التاريخ المستقبلي مما لا نعرفه الآن. أمعجزة هذه أم ليست معجزة؟
هذا إعجاز القرآن؛ أنه قد أُنزل من لدن حكيم خبير سميع عليم، رب العالمين. ولذلك فهو صالح لكل زمان ولكل مكان.
مبدأ اليسر في الشريعة الإسلامية والفرق بين إرادة اليسر ونفي العسر
﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185]
﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ﴾ [البقرة: 185]
هذا مبدأ قرآني؛ أن هذه الشريعة بُنيت على اليسر. واليسر قد يختلف الناس فيه؛ فبعض الناس يرى الشيء سهلًا وهو هو يراه آخرون صعبًا.
ولو أنه [الله تعالى] اكتفى بهذا وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ لكان ذلك اليسر نسبيًّا يتقلب فيه الناس ويختلفون. ولكن قال:
﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]
ما رأيك؟ هذه غير هذه. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ طبعًا الشريعة مبنية على رفع الحرج، والشريعة مبنية على اليسر.
التحذير من التعسير على النفس والغير وأن الله لا يريد إلا اليسر
لكن على فكرة، ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ أيضًا يعني: لا تخرج من اليسر إلى العسر وتظن أنك ما لا تُعسّر به على نفسك وعلى غيرك إنها مطلوبة لله.
بل إن الله يريد اليسر ولا يريد منكم إلا اليسر، ولا يريد بكم العسر.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
