سورة البقرة | حـ 174 | آية 154 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 174 | آية 154 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • الصبر والصلاة وسيلتان للاستعانة في مواجهة المحن، وقد أمرنا الله بهما.
  • الصبر منه محمود ومذموم، فالمحمود ما كان في الله وبالله ولله، والمذموم ما كان صبراً عن الله.
  • ينزل الله المحن والمصائب ليذكرنا بالآخرة ويدفعنا للرجوع إليه.
  • زيارة القبور والكوارث تذكرنا بتقوى الله وبضرورة عبادته وتعمير الأرض وتزكية النفس.
  • الصبر عن الله أن تصيبك المحنة فتتحملها دون العودة إلى الله، وهذه مصيبة كبرى.
  • الصلاة صلة بين العبد وربه وعماد الدين، وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر.
  • المسلمون وحدهم يسجدون لله في العالمين.
  • قول الله "إن الله مع الصابرين" تشريف عظيم للصابرين، وهذا تعبير لا يقدر عليه إلا الله.
  • لا ينبغي أن نسأل الله الصبر ابتداءً، بل نسأله العافية، وإذا نزل البلاء نسأله الصبر.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

أنواع الصبر الممدوح والمقدوح في ضوء الآية الكريمة

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 153]

أمرنا الله تعالى أن نستعين بالصبر في حياتنا مع الآخرين، والصبر قد يكون صبرًا بالله، وقد يكون صبرًا مع الله، وقد يكون صبرًا لله، وقد يكون صبرًا عن الله والعياذ بالله.

إذن فالصبر منه ممدوح ومقدوح؛ أما الذي هو ممدوح فالصبر في الله وبالله ولله، وأما الذي هو مقدوح فالصبر عن الله.

الله ينزل المحن رحمةً بعباده لا انتقامًا منهم

ينزل الله علينا المحن لا انتقامًا منا؛ فإنه يحبنا لأننا صنعته، هو ينظر إلينا وهو رؤوف بنا. ولما خاطبنا قال:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]

حتى يُطمئن رَوعاتنا ويُؤمِّن خوفنا.

فلما خاطبنا بهذا وتجلى علينا بالجمال، ولم يُورد عذابًا في القرآن إلا ومعه الرأفة والرحمة، ولم يتجلَّ أبدًا بالجلال إلا وقد كسا ذلك بالجمال؛ فإنه سبحانه وتعالى قد فتح لنا من أبواب رحمته ونحن صنعته.

الحكمة من نزول المحن والمصائب هي التذكير والرجوع إلى الله

فينزل [الله] علينا المحن من أجل أن نتذكر، من أجل أن نرجع وأن نعود [إليه سبحانه]. فأصابتكم مصيبة الموت من أجل الذكرى؛ فإن في الموت ذكرى.

ولذلك [قال النبي ﷺ]:

«كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها تُذكِّر بالآخرة»

ذكرى، وإن كانت مصيبة. وكذلك الكوارث التي تحدث من حولنا؛ فإنها تُذكِّرنا بتقوى الله، وتُذكِّرنا بالأمر والنهي، وتُذكِّرنا بأنه يجب علينا أن نعبد الله كما أراد، وأن نعمر الأرض كما أراد، وأن نزكي النفس كما أراد، تُذكِّرنا بالصراط المستقيم.

الصبر عن الله مصيبة كبرى والاستعانة بالصبر في الله ولله وبالله

فالصبر عن الله [المقدوح] أن تنزل بك المصيبة والمحنة فلا تلتفت [إلى الله]، وتصبر عليها من غير رجوع ولا إياب إلى رب العالمين، وهذه مصيبة كبرى وبلية عظمى.

استعينوا بالصبر، ولكن بالصبر في الله ولله وبالله.

فضل الاستعانة بالصلاة وأنها عماد الدين وصلة بين العبد وربه

واستعينوا أيضًا بالصلاة؛ فإن الصلاة خير موضوع.

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]

وإن الصلاة صلة بين العبد وربه، وإن الصلاة هي عماد الدين وذروة سنامه، وأن الصلاة فيها الخير كله؛ ولذلك أكد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولا ترى من يسجد لله رب العالمين في العالمين إلا المسلمين، لا ترى إلا المسلمين هم الذين يسجدون لرب العالمين. حتى إن كثيرًا من الناس عندما يدخلون مساجدهم يستغربون: ما الذي تفعلونه؟ نسجد لله رب العالمين. فالحمد لله الذي جعلنا من المسلمين.

دلالة قوله تعالى إن الله مع الصابرين على تعظيم شأن الصابرين

ثم تأتي الجائزة في آخر الآية، يقول الله فيها:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 153]

و"مع" تدخل على العظيم؛ فـ"مع" تقول: جاء الوزير مع السلطان؛ لأن السلطان أعظم من الوزير، ولا تقل: جاء السلطان مع الوزير.

فلماذا قال "إن الله مع الصابرين" وما كان قال "إن الصابرين مع الله"؟ لأن الله أعظم [من كل شيء]. قالوا: والله لا يقولها إلا الله! الذي يقول:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 153]

محمد ﷺ لا يستطيع أن يقولها، هذا من عند الله. هكذا هو: إن الله مع الصابرين، هذا أمر من أمور ربنا.

رفع الله شأن الصابرين وعجز النبي عن قول ذلك من عند نفسه

هذا [القول الإلهي] جعل الصابرين في المرتبة العليا بحيث أدخلهم بعد ذلك مع تعظيم شأنهم.

محمد صلى الله عليه وسلم سيد الخلق يشعر بأنه من الصابرين ويمارس الصبر ويعرفه، ما كان يستطيع وهو متواضع لربه أن يقول -لو كان هذا القرآن من عند نفسه- "إن الله مع الصابرين"، ولقال: "إن الصابرين مع الله".

كن مع الله، ولكن [الله هو الذي] قال:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 153]

هذا كلام لا يعرف كيف يقوله إلا الله، هو الذي يمنح ويعطي ويرفع من شأن هذا ويخفض من شأن هذا، فرفع بذلك شأن الصابرين.

النهي عن سؤال الله الصبر ابتداءً وسؤاله عند نزول البلاء

فكونوا إذن من الصابرين، ولكن لا تسألوا الله الصبر [ابتداءً]!

سيدنا رسول الله ﷺ سمع أحدهم وهو يقول: "اللهم أنزل علينا الصبر"، فقال ﷺ:

«سألتم البلاء، لا تسألوا الله الصبر؛ فإذا نزل البلاء فاسألوا الله الصبر»

نحن لا نسأل الله الصبر [ابتداءً]، بل نقول: خفف يا رب، ولكن إذا نزل البلاء نقول: اللهم اجعلنا من الصابرين ومع الصابرين.

وإلى لقاء آخر أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.