سورة البقرة | حـ 116 | آية 103 : 104 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 116 | آية 103 : 104 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • تحذر الآية "ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون" بني إسرائيل من اتباع طريق الشياطين واستخدام العلم للشر.
  • المثوبة من الله تكون في الدنيا والآخرة لمن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
  • قصص القرآن ليست للتاريخ فحسب بل للعبرة والاهتداء وتجنب مسلك المعصية.
  • يحذر الله المؤمنين من التشبه ببني إسرائيل في أقوالهم وأفعالهم.
  • تسمية الأشياء بغير أسمائها الشرعية خطيرة، كتسمية الخمر بأسماء أخرى لاستحلالها.
  • حصر مفهوم العلم في التجريبي فقط خطأ، فالعلم يشمل التجريبي والعقلي والنقلي.
  • اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، والحفاظ على اللغة جزء من الحفاظ على الدين.
  • أهمية الأسماء والمصطلحات التي تناط بها أحكام شرعية، ووجوب الابتعاد عن التلبيس فيها.
  • تنبيه المؤمنين بقوله: "لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا" تحذير من الألفاظ التي يمكن استغلالها.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان أن الإيمان والتقوى خير من اتباع الشياطين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع سورة البقرة من كتاب الله سبحانه وتعالى في قصة بني إسرائيل، قال تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا وَٱتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 103]

فأخبرهم [الله سبحانه وتعالى] بأن هناك طريقًا آخر غير الطريق الذي ركبوه، من أنهم قد اتبعوا ما تتلو الشياطين واتبعوا أهل الشهوات، وأفشوا أسرار الملكين؛ حيث كان العلم فيه منهما خاصًّا فجعلوه عامًّا من أجل الإضرار ومن أجل استعمال العلم في غير ما هو له.

العلم سلاح ذو حدين يمكن استعماله في الخير أو الشر

لأن العلم تنكشف به الحقائق، ويمكن مع هذا الانكشاف أن نستعمله في الخير أو أن نستعمله في الشر. فإذ هم [بنو إسرائيل] قد ركبوا الشر واستعملوه فيه.

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا﴾ [البقرة: 103]

بدلًا من العصيان، وبدلًا من الكفران،

﴿وَٱتَّقَوْا﴾ [البقرة: 103]

بدلًا من العمل الفاسد،

﴿لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 103]

لو أنهم علّقوا قلوبهم بالآخرة واستحضروها، ومنعتهم هذه الآخرة في اعتقادهم بها من الشر، لوجدوا ذلك مثوبةً من عند الله.

المثوبة من عند الله تشمل الدنيا والآخرة معًا

لم يقل [سبحانه وتعالى المثوبة] في الآخرة ولم يقل في الدنيا؛ فالمثوبة هنا يمكن أن تكون في الدنيا والآخرة.

ربنا سبحانه وتعالى يبتلي العباد فيمكّنهم في الأرض، لكنه يرضى عن أولئك:

﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ﴾ [الحج: 41]

لكنه لا يرضى عن أولئك الذين لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة، ويأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويفسدون في الأرض؛ فأولئك لا مثوبة لهم لا في الدنيا ببقاء تمكينهم، ولا في الآخرة بدخولهم جنة الله سبحانه وتعالى.

الغاية من ذكر قصص بني إسرائيل هي الاهتداء والاعتبار

يريد الله سبحانه وتعالى أن نلتفت إلى عبرة هذه القصص، وأن هذه القصص إنما ذكرها الله سبحانه وتعالى من أجلنا، ومن أجل أن نهتدي به [بالقرآن الكريم]، لا لمجرد ذكر الأحداث ولا التاريخ، وإن كان هو حقٌّ في نفسه وحدث هذا فعلًا في التاريخ.

إنما يريد الله منا أن نهتدي بحركة التاريخ، وأن نسير في الأرض وأن نقرأ فيه؛ حتى لا نفعل مثل ما فعل الأقدمون من عصيان الله سبحانه وتعالى. فيريد [الله] أن يقول لنا: لا تتشبهوا بهم في معصيتهم ولا في أحوالهم ولا في عجيب حيرتهم؛ لأنهم حيارى.

النهي عن قول راعنا وخطورة التلاعب بالأسماء والمسميات

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقُولُوا رَٰعِنَا وَقُولُوا ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 104]

هنا [ينبّهنا الله] سبحانه وتعالى إلى أمرٍ بالغ الخطورة، وهو قضية الأسماء والمسميات. فمثلًا يكون هناك شيءٌ، الشرع إذا سمّى شيئًا معينًا باسمٍ معين فلا يجوز لنا أن نسمّيه باسمٍ آخر.

والنبي صلى الله عليه وسلم يحذّرنا ويقول:

«سيأتي على أمتي زمانٌ يستحلّون فيه الخمر يسمّونها بغير اسمها»

يستحلّون فيه الخمر! خمرٌ حرام باتفاق المسلمين.

طيب إذن كيف؟ ما الحيلة التي سيفعلها هؤلاء الناس حينذاك؟ قال: بغير اسمها.

تغيير أسماء الخمر لا يغير حقيقتها وحكمها الشرعي

فإذا بنا نسمّيها شامبانيا، ويظن بعض الجهلة أن الشامبانيا هذه ليست خمرًا، أو نسمّيها ويسكي، أو نسمّيها بيرة، أو نسمّيها وهكذا. والله هذه خمرٌ! أو نسمّيها نبيذًا، هذا خمرٌ.

ما دام يشتمل على كحولٍ يذهب بالعقل عن إدراكه للواقع فهو خمر، وسُمّي خمرًا لأنه قد خامر العقل [أي خالطه وغطّاه].

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«ما أسكر كثيره فقليله حرام»

فالخمر كل ما يُسكر ولو كان قليلًا. إذن تسمية الشيء بغير اسمه مصيبة.

خطورة حصر مفهوم العلم في التجريبي وأثره على الإيمان بالله

سمّينا العلم وأطلقناه على التجريبي فقط. التجريبي فقط! العلم ليس التجريبي؛ العلم أشمل من التجريبي، يشمل التجريبي ويشمل العقلي ويشمل النقلي. ولكن حصرنا كلمة [العلم] في التجريبي فقط.

فذهب أحدهم وقال: ماذا قال؟ قال: والله هذا [أي وجود] ربنا، هذا يعني ليست مسألة علمية! إذا كان المقصود بالعلم هو ما كان في المختبر وفي التجريب وفي الحس. نعم، الله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار.

ولكن ما رأيك؟ الكلمة قبيحة! مسألة الألوهية مسألة غير علمية؟! لأنه على الفور يبدأ الإنسان سيسمع فسيعتقد أنها مسألة جاهلية، وأن الإيمان بالله تخلّف!

مفهوم العلم في الإسلام أوسع من التجريب ويشمل العلم الشرعي

العلم عندنا [في الإسلام] غير ذلك [المفهوم المحصور في التجريبي]:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]

«من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا يسّر الله له طريقًا إلى الجنة»

إذن العلم عندنا هذا شيءٌ عظيمٌ جدًّا، وليس مقصورًا [على] التجريبي. التجريب هذا هو من التلاعب بالأسماء إزاء المسميات.

لا بد لنا من أن نعلم أن اللغة والفكر وجهان لعملةٍ واحدة، وأن الحفاظ على اللغة جزءٌ من الحفاظ على الدين. تمكّنا، تمكّننا من اللغة أداءً وفهمًا فإننا تمكّنا، تمكّننا من التفكير المستقيم.

أهمية الأسماء في القرآن وتنبيه الله على خطورة احتلال المفاهيم

يقول لك: هذا من كلمة؟ فربنا يقول: نعم، لا تستهينوا بالأسماء. في البداية قال [سبحانه وتعالى]:

﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]

الأسماء كلها!

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقُولُوا رَٰعِنَا﴾ [البقرة: 104]

راعنا في لغة العرب تعني: كن راعيًا لنا. قال: نعم، ولكن احتُلّ المفهوم، مفهومها احتلّوه؛ لأن «راعنا» عندهم [عند اليهود] كلمة سبّ.

فكانوا عندما يرون المؤمنين يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «راعنا يا رسول الله»، يضحكون ويبدؤون من هذا المدخل، مدخل تغيير المفاهيم إزاء المصطلحات، يلعبون!

تنبيه الله على أهمية الأسماء وارتباطها بالأحكام الشرعية ومنهج الدراسات

فربنا نبّهنا، قال لنا: انتبهوا من هذه النقطة، لا تقولوا «راعنا» التي احتلّوها هذه، قولوا «انظرنا».

ينبّهنا على ماذا؟ على أن الأسماء مهمة، الأسماء مهمة، وأن الأسماء يُناط بها أحكامٌ شرعية، وإننا لا نريد التلبيس بالأسماء. فإذا ما حدث تلبيسٌ بالأسماء انسحبنا من التلبيس إلى الوضوح.

ما هذا؟ هذه مباحث لغوية في منتهى الخطورة! هذا عنوانٌ لمنهجٍ علميٍّ مستقر، ينبغي أن يكون عنوانًا للدراسات الجامعية وللدراسات العليا.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقُولُوا رَٰعِنَا وَقُولُوا ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 104]

وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.