سورة البقرة | حـ  104 | آية 89 : 90 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 104 | آية 89 : 90 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

12 دقيقة
  • يستمر القرآن الكريم في سورة البقرة بقص أحوال بني إسرائيل مع موسى عليه السلام ليتعلم منها المسلمون حتى يوم القيامة.
  • عندما جاء بني إسرائيل كتاب من عند الله مصدق لما معهم كفروا به بعدما عرفوه تعصباً وحسداً، كما روت صفية أم المؤمنين عن إقرار أبيها وعمها بنبوة محمد ﷺ.
  • وصف الله تعالى فعلهم بقوله "بئسما اشتروا به أنفسهم" إشارة إلى غضب الله عليهم لبيع أنفسهم بالكفر.
  • الكفر هو وضع حجاب بين الإنسان وبين أوامر الله ونواهيه، وهو على درجات متفاوتة الشدة.
  • كفر بني إسرائيل كان مركباً: كفر بإنكار الحق، وكفر بالاعتراض على اختيار الله لنبيه.
  • لذلك "باؤوا بغضب على غضب" أي غضب مركب، وللكافرين عذاب مهين.
  • العذاب المهين جزاء لإهانة عقولهم في الدنيا، حيث اتبعوا أهواءهم وشهواتهم ورغباتهم وتعصباتهم بدلاً من التفكير المستقيم.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة الدرس واستكمال قصص بني إسرائيل في سورة البقرة للعبرة والاتعاظ

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة، وما زلنا نقصّ ما قصّه الله علينا لنتعلم منه إلى يوم القيامة، في حال بني إسرائيل مع موسى، وما فعلوه من خير أو من شر، وما فعله الله سبحانه وتعالى بهم من آيات ومعجزات وكرم ومنن.

فإننا نتعلم من كل ذلك؛ لأنه وإن كان قد ورد في بني إسرائيل، إلا أنه خاطب الله به العالمين إلى يوم الدين؛ لأن هذا الكتاب نزل للعالمين إلى يوم الدين.

كفر بني إسرائيل بالنبي ﷺ رغم معرفتهم به وقصة صفية رضي الله عنها

قال تعالى:

﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَـٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89]

وقد وقفنا عندها بعد ما ذكرنا أنهم كفروا به تعصبًا وغيرة.

وذكرنا من قبل قصة صفية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، عندما أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت قد أسلمت من قبل وهي صغيرة، حيث سمعت أباها وعمها يذكران أنه هو هو صلى الله عليه وآله وسلم، أي هذا الذي يرونه إنما هو الذي ورد في الكتب السابقة التي يعلمونها والتي يعرفونها كما يعرفون أبناءهم بل أشد، فأسلمت أو كتمت في قلبها الإسلام والتصديق.

معنى بئسما اشتروا به أنفسهم وأفعال الذم والمدح في القرآن الكريم

قال تعالى بعد ذلك:

﴿بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا بِهِٓ أَنفُسَهُمْ﴾ [البقرة: 90]

بئسما يقولون: أفعال الذم وأفعال المدح نِعْمَ وبئس، ونِعْمَ وبئس هذه تعني كأنه يمدح مدحًا شديدًا عندما يقول "نِعْمَ الرجل أنت"، أو يذمّ ذمًّا شديدًا عندما يقول "بئس أخو العشيرة".

فما معنى بئس أخو العشيرة؟ يعني أنت أسوأ واحد فيهم. فبئسما أول معي هكذا تتصدر ببئسما، فيكون معناها أن الله قد غضب، فيكون الذي فعلوا هذا الأمر الذي هو من موجبات غضب الله.

فهل نفعله نحن أم لا نفعله؟ نعوذ بالله من غضب الله، إننا نريد أن نهرب من غضب الله.

بيع بني إسرائيل أنفسهم بغضب الله وكفرهم بما أنزل الله عليهم

بئسما اشتروا به أنفسهم، يعني أنهم باعوا أنفسهم بماذا؟ بشيء من غضب الله.

فهل هذا البيع والشراء حسن أم قبيح؟ إنه قبيح، فلنبقَ بالبساطة هكذا هو سيء.

فماذا فعلوا؟ إن كفروا بما أنزل الله. إن الكفر بما أنزل الله مصيبة توجب غضب الله، فيجب أيها الناس ألا تكفروا.

والكفر معناه الستر، والستر هنا معناه أن تجعلوا بينكم وبين أوامر الله ونواهيه وأخباره حجابًا، فلا تصدقوه ولا تعملوا به. هذا هو الكفر؛ ففي كفر اعتقاد وفي كفر عمل، أن يكفروا بما أنزل الله.

درجات غضب الله ودرجات الكفر والمعاصي وتفاوتها في الشدة

هذا الجزء وحده يوجب غضب الله. فهل غضب الله هذا على درجة واحدة أم له درجات؟ لا، بل له درجات.

والكفر هذا وإن كان كفرًا والكفر ملة واحدة، لكن هو على أنواع ولا على درجات أيضًا، على درجات. وكل المعاصي على درجات.

عندما يسرق أحد تصبح مصيبة، لو سرق شخصًا فقيرًا تصبح مصيبة زائد مصيبة أي مصيبتان، عندما يكون هذا الفقير ابن عمه فهذه تصبح ثلاث مصائب. أي أن اللصوص منهم لصوص يقول لك: والله أنت ستسرق ابن حيّك؟ اذهب اسرق في حيّ آخر! طالما أن هذا حرام وهذا حرام، ولكن يعني يستكثر أن يضيف إلى السرقة قطيعة الجوار، يستكثرها على نفسه، أو أن يضيف إلى السرقة قطيعة الرحم، أو أن يضيف إلى السرقة القسوة، أتنتبه؟

تفاوت درجات الذنوب بحسب الزمان والمكان والمعصية لا تخرج عن كونها معصية

ولكن كله حرام، وإنما هو درجات. فلو كان جارك، فلو كان، ولو كان، وكلما قليلًا هكذا تجد إن الذنب [يزداد].

فلو كان هذا في بيت الله الحرام، فلو كان هذا في وقت الحج مثلًا أو في الأشهر الحرم، كلما ازداد الأمر سوءًا وهكذا.

فالمعصية على درجات، وإنما لا تخرج هذه الدرجات عن كونها معصية ويُعاقب عليها. فالكفر كذلك على درجات.

سبب كفر بني إسرائيل البغي والاعتراض على اصطفاء الله لنبيه

فهم كفروا، أنكروا ووضعوا حجابًا بينهم وبين ما أنزل الله ولم يصدقوه، وكان جديرًا بهم أن يصدقوه. إنما انظر إلى المصيبة الأخرى.

إذن ما سبب كفرهم؟ فيقولون لك: سبب كفر يا أخي أنا لست مقتنعًا، والله يعني هو كافر نعم، ولكن يعني عقله لا يقبل، فيكون هذا كفر درجة أولى، يعني كفر هكذا.

إنما هذا [كفرهم] لماذا؟ بغيًا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده. هذا ليس لأنه غير مؤمن، أو لأنه سمع كلامًا لم يبلغ قلبه أو عقله فقال: والله إنني لست مؤمنًا بهذه الحكاية. لا، هذا كفر زائد اعتراض.

غباوة الاعتراض على رب العالمين بعد التأكد من صحة النبوة واصطفاء الله

والاعتراض هذه المرة على شخص، صاحبه؟ لا، أو على نبيه مثل ما اعترضوا عليه هكذا هو وأتعبوه؟ لا. أم هو يعترض على من؟ على رب العالمين.

أرأيت الغباوة؟ يصبح كفرًا وغباوة، كفر إنكار وغباوة؛ لأنه يعترض على رب العالمين. فيصبح هذا كأنه عرف الحق وحاد عنه، فهو من المغضوب عليهم، يوجد غضب.

عرف الحق، كيف عرف الحق؟ هذا يقول له ماذا؟ يقول له: إذن يا ربنا ألا تنزل الوحي والاصطفاء إلا على هذا؟ يعني ماذا؟ يعني أنت تعرف أن هذا هو الذي اصطفاه الله. ما هو لا يأتي الاعتراض إلا هكذا: أنت يا الله اصطفيت هذا! هذا رقم واحد، إذا صدّق أن الله اصطفاه. تنزل على هذا فكان من الممكن أن تنزل على هذا! الله إذا أنت كنت تؤمن بأن الله أنزل الاصطفاء على هذا واصطفاه واجتباه وجعله نبيًا، وبعد ذلك لا يعجبك، فيكون قد انضم إلى الكفر غباوة.

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]

يعلم من خلق.

معنى فباءوا بغضب على غضب ودرجات الغضب الإلهي على الكفر والغباوة

﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ﴾ [البقرة: 90]

انظر كيف الغضب المركب! هذا الغضب مثل الدرجات، على غضب. لماذا؟ لأنه ليس كفرًا [فقط]، ولكن الكفر فقط هذا يأتي مع واحد غير مقتنع، تقول له: حسنًا أنا في حرية فكر عندنا.

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]

أنا أعني: هل سنُكره الناس أن يكونوا أعني مؤمنين؟ ما هو لن ينفع، سنحولهم إلى منافقين. تعالوا نفعل ماذا؟ انتهى، لكم دينكم، دينك قناعتك كذلك.

ولكن هذا [كفر بني إسرائيل] ضمّ إلى الكفر الغباوة التي تتمثل في الاعتراض على الله بعد التأكد من صحة ما هنالك [من نبوة محمد ﷺ]. فيبقى الغضب الأول على الكفر، والغضب الثاني على الغباوة.

﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [البقرة: 90]

الغضب على الغضب هذا في الدنيا كذلك، وفي الآخرة يؤدي الغضب إلى عذاب مهين.

سبب وصف العذاب بالمهين وإهانة العقل بالهوى والشهوات والتعصب

ولماذا مهين؟ قال: لأنه أهان عقله في الدنيا ولم يفكر التفكير المستقيم.

إذن بماذا فكّر؟ قال: فكّر برغباته، بآماله، بتعصبه، بشهواته، ولم يفكر بعقله. لم يستطع أن يحرر نفسه من أجل أن يفكر التفكير المستقيم.

والتفكير المستقيم هذا متى ينغلق؟ بمثل هذه الأشياء [الهوى والشهوات والتعصب]:

﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ [الجاثية: 23]

أرأيت الذي اتخذ إلهه هواه، أفأنت تكون عليه وكيلًا.

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14]

إلى آخره، أشياء تقفل على الإنسان: الهوى والشهوات والرغبات والتعصبات.

التقليد الأعمى يحول بين المرء وعقله فيهينه الله بعذاب مماثل

﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الزخرف: 23]

يبقى تقليدًا أعمى وهكذا. وكل ذلك يحول بين المرء وبين عقله، فيُهين المرءُ عقلَه فيُهينه الله بعذاب مماثل.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.