سورة البقرة | حـ  105 | آية 91 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 105 | آية 91 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • يتحدث القرآن في سورة البقرة عن بني إسرائيل الذين قالوا "نؤمن بما أنزل علينا" عندما دُعوا للإيمان بما أنزل الله.
  • اليهودية تمثل نسقاً مغلقاً مخصصاً لبني إسرائيل فقط، لا تعرف الدعوة، بينما الإسلام نسق مفتوح للبشرية جمعاء.
  • جاء القرآن مصدقاً لما معهم من توحيد وعقيدة، وليس مخالفاً للأسس الإيمانية الصحيحة.
  • بني إسرائيل لم يلتزموا بما أنزل إليهم، والدليل قتلهم لأنبياء الله، مما جعل إيمانهم دعوى فارغة.
  • أرسل الله بعدها عيسى ثم محمداً، وكان محمد خاتم النبيين حتى لا تنشق الأمة.
  • ختم النبوة جعل العلماء ورثة الأنبياء يقومون بالتبليغ والإنذار والتبشير.
  • على المسلمين الاتحاد والتمسك بالدين والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • المطلوب العودة إلى الأصل والتمسك بالعهد الذي ورثه إبراهيم وأبناؤه.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة تلاوة سورة البقرة وقصة بني إسرائيل ورفضهم الإيمان بالقرآن

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى، وفي سورة البقرة، والله سبحانه وتعالى يقصّ علينا قصة بني إسرائيل، يقول تعالى:

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: 91]

حسنًا، ما هو ذا؟ ورقة بن نوفل يقول لك إنه مع ما صدر من موسى صدر من مشكاة واحدة؛ يعني القرآن هذا هو الذي سمعوه، هو مثل الكتاب الذي نزل على موسى.

فما بالك لا ترضى أن تؤمن؟ قال [ورقة بن نوفل]: لأنهم آمنوا بنسق مغلق وهذا نسق مفتوح.

معنى النسق المغلق في الديانة اليهودية وعدم معرفتها بالدعوة

فما هو النسق المغلق؟ إن الديانة [اليهودية] لهؤلاء فقط، لبني إسرائيل وحسب، وتقف عند ذلك. فالديانة اليهودية أصلًا ينبغي ألا تعرف الدعوة؛ لا توجد دعوة، لا تدعو الناس. هم يعرفون التعليم، يعلّمون بعضهم البعض هكذا فقط، لكنها لا تعرف الدعوة.

اليوم توجد توجهات في اليهودية المعاصرة بدأت تقلّد الإسلام، يريدون أن يدعوا، أي يقولوا لكم: تعالوا ادخلوا عندنا. لا، اليهودية الأصيلة لم تكن تقول: ادخلوا عندنا، نحن فقط.

نظرة اليهود لبقية الناس وأثر ذلك على كراهية الشعوب لهم

فماذا عن بقية الناس؟ قالوا: بقية الناس رمم، بقية الناس خلقهم الله لكي يخدمونا، لكي نبيع فيهم ونشتري، وإذا أردنا أن نقتلهم [فعلنا]، لكن بقية الناس هؤلاء ما شأني وما شأنهم، بقية وبعد ذلك.

ولهذا السبب كرهتهم الناس وملّتهم الناس، وهم من أجل ذلك تراهم كثيرًا ما يحسّنون صورتهم بالإحسان الظاهري؛ تجد أنه يتقن عمله، تجد يعني يحاول أن يؤدي لك شيئًا، لأن سمعته أصبحت تضرّه بهذه الطريقة في الأرض. شيء لا أساس له، وحدث تعديل في هذه الأشياء، لكن الأصل ما هو؟ ربنا يعلم.

دين موسى كان خاصًا ببني إسرائيل وليس دينًا عالميًا إلى يوم القيامة

أن دين سيدنا موسى ضد فرعون كان دينًا خاصًّا هكذا، وهو ليس دينًا إلى يوم القيامة. الدين الذي يستمر إلى يوم القيامة لم يأتِ بعد، سيأتي لاحقًا.

فناسب اليهودية أن تكون خاصة لأنها ستنتهي بعد ذلك بانتهاء العصر، والمفروض أنهم يدخلون إذن في الدين العالمي [وهو] الإسلام الذي يدعوهم إلى ما يدعوهم إليه موسى، ولكنه ما خالفنا الوصايا العشر، ولكن يختلف بأنه نسق مفتوح.

تفسير رفض بني إسرائيل الإيمان بالقرآن وكفرهم بما وراء التوراة

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 91]

الذي هو القرآن، قالوا: نؤمن بما أُنزل علينا. يعني تلبّسوا به، "علينا" هذه تفيد ماذا؟ تفيد التمكين؛ سرتَ على الأرض، سرتَ على الأرض يعني كان علوتها فتمكّنت منها.

﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ﴾ [البقرة: 91]

أي ما بعده؛ يعني ما وراءه في الزمن، ما جاء بعده.

﴿وَهُوَ ٱلْحَقُّ﴾ [البقرة: 91]

هذه نقطة أولى: دع عنك أنت يهودي، أنت أيّ شخص وعُرض عليك هذا [القرآن] وأعملتَ فيه عقلك ستُسلم.

إسلام ربع الأرض دليل على أن القرآن لا يأمر إلا بالخير والجمال

مثل ما خلق الله هؤلاء جميعهم أسلموا، ربع الأرض الآن مسلم، من طنجة إلى جاكارتا، وأسلموا من غير إكراه، وأسلموا لأنهم أعملوا عقولهم فوجدوا الكلام أن هذا الدين لا يأمرهم إلا بكل بِرّ، ولا يأمرهم إلا بكل خير، ولا يأمرهم إلا بكل حبّ وجمال.

أمرهم بالصلاة، أمرهم بالطهارة، أمرهم بأن يخرج الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة الله، شيء جميل هكذا فهموها فأسلموا، في أمان الله.

القرآن مصدق لما مع بني إسرائيل ولم يأتِ مخالفًا لشريعتهم

حسنًا، بما أُنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق، هذه هي النقطة الأولى؛ يعني كنتَ يهوديًّا أو لا وقرأت هذا [القرآن]، أم لم تكن يهوديًّا وأتيت بتفكير مستقيم فستُسلم.

لا، بل هناك صفة أخرى وهي:

﴿مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: 91]

هل هو جاء مخالفًا؟ فأنتم قلتم: نحن سنعبد الإله الواحد، فقلنا لكم: لا، نحن سنعبد الوثن؟ أم أنكم قلتم: اعمل الخير وابتعد عن الشر، فنحن قلنا: لا، تفعل الشر وابتعد عن الخير؟ ما هو [القرآن] جاء مصدّقًا لما معك.

الانتقال من التوراة إلى القرآن لا يتطلب تغيير العقيدة بل تصديقها فقط

أيّ شيء الذي أنت تنتقل من هنا إلى هناك؟ ستقوم بنفسك وتغيّر عادتك وعقلك في أيّ شيء؟ ولا شيء! هذا أنت بالكاد ستصدّق فقط وأنت ما زلت على ما أنت عليه من إيمان بإله واحد، ومن شريعة تُطبَّق، ومن يوم آخر نعمل له راغبين في الله سبحانه وتعالى.

فالعقيدة واحدة، شكلها هكذا وهيكلها هكذا واحد، ولكن هذا هو الحق. وكذلك بالنسبة لك أنت بالتحديد مصدّق لما معه.

الرد على من يقول لماذا لا أبقى على ديني بأن بني إسرائيل قتلوا الأنبياء

طيب، فهو يقول لي: حسنًا، إذا كان هذا هو هذا، فلماذا أنتقل إذن؟ لِمَ لا تتركني أبقى فيما أنا فيه وانتهى الأمر؟

فقال [الله] لهم: هل أنتم فعلتم ما أنتم عليه؟ لو كنتم فعلتم ما أنتم عليه لما أرسلنا بعد ذلك رسلًا، لكانت الأمور سارت، ولكنكم لم تفعلوا ما أنتم عليه.

فذهب فقال لهم هكذا:

﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 91]

إذا كنتم تقولون نحن متمسكون بما نحن عليه، لكن هذا أنتم قتلتم أنبياء الله، وأنتم الذين قلتم إنكم قتلتم أنبياء الله وليس نحن.

دعوى الإيمان بالتوراة فاسدة بدليل قتلهم الأنبياء وإرسال عيسى ومحمد

فلماذا تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين؟ إن دعوى الإيمان هذه بما أُنزل إليكم عليكم فاسدة؛ دعوى بالفم فقط وبالكلام فقط.

ولذلك أرسل الله بعد ذلك عيسى [عليه السلام]، ولذلك أرسل الله بعد ذلك محمدًا [صلى الله عليه وسلم]، لمّا رأى الناس لم تسِر على النهج القويم الذي أرسل به الرسل.

وهذا خطاب علينا نحن، فماذا نفعل؟ قال: انتبه، سيدنا محمد آخر واحد [من الأنبياء]، هؤلاء ربنا رحمهم وظلّ يبعث لهم الأنبياء كي يصحّحوا لهم، نحن هنا إذن هذا آخر واحد.

حكمة ختم النبوة بمحمد ﷺ حتى لا تنشق الأمة بسبب نبي جديد

فماذا بعد ذلك؟ ما الحكمة أنه آخر [الأنبياء]؟ قال أحدهم: إن السبب هو ألا تنشقّ الأمة؛ لأنه لو أرسل [الله] نبيًّا لآمن به قوم وكفر به آخرون، فيصبح الذين كفروا بالنبي الجديد مؤمنين بمحمد ﷺ لكن غير مؤمنين بالجديد فيصبحون كفّارًا.

ثم إذا جاء نبيّ آخر فسيؤمن به قوم من أولئك وينكره بعضهم، فيصبح الذي أنكر هذا كافرًا، وتنشقّ الأمة. وهذه أمة دعوة خيرية وسطية تدعو إلى الخير والوسطية إلى يوم الدين، فختم النبوة انقفلت مسألة التشقّق هذه.

العلماء ورثة الأنبياء يقومون بالتبليغ والإنذار لتوحيد الأمة

قالوا: حسنًا، ماذا أفعل في التصحيح؟ قالوا: العلماء ورثة الأنبياء، سنجعل هذه المسألة على العلماء.

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]

﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: 103]

وبعد ذلك الآية التي تليها وهي:

﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 104]

إذن العلماء ورثة الأنبياء يقومون بما كانوا [أي الأنبياء] يقومون به من تبليغ وإنذار وتبشير ودعوة حتى تتحد الأمة.

الأمر بالاتحاد وكمال الإيمان والعودة إلى عهد إبراهيم وأبنائه

فهذا أمر لنا بالاتحاد وبكمال الإيمان وبعدم ترك الوصية والعهد الذي ورثه إبراهيم [عليه السلام] وأبناؤه.

هذا ما نحن مكلّفون به؛ أن نعود إلى الأمر الأول.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.