سورة البقرة | حـ 113 | آية 101 : 102 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 113 | آية 101 : 102 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • يتحدث النص عن آية من سورة البقرة تبين موقف بني إسرائيل من رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم الذي جاء مصدقاً لما معهم.
  • جاء النبي ليؤكد أن الكون مخلوق لخالق، وأن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب وأمر الناس باتباع أوامره ونواهيه.
  • الفرق بين المتدينين وغيرهم أن المتدينين يعمرون الأرض وفق أوامر الله، بينما الآخرون يعتمدون على عقولهم فقط.
  • رغم أن الرسول جاء مصدقاً للكتب السابقة، نبذ فريق من أهل الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون.
  • هؤلاء خالفوا دينهم وكتابهم واتبعوا أهواءهم، ولبسوا الحق بالباطل وكتموا الحق وهم يعلمون.
  • يعلمنا الله أن نتمسك بالكتاب والإنصاف وألا يحملنا بغض قوم على ألا نعدل.
  • يجب علينا ألا نكون مثلهم وألا نقصر فهم الآيات على التاريخ فقط، بل نجعل القرآن كتاب هداية لنا.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة في تفسير آية من سورة البقرة عن بني إسرائيل ومجيء الرسول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى، وفي سورة البقرة وهو يقصّ علينا شأن بني إسرائيل، قال تعالى:

﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 101]

الذي هو سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، مصدّقٌ لما معهم؛ إذن لم يأتِ ليغيّر العقائد ويُدخل الإنسان في حيرة وبحث جديد أبدًا.

رسالة النبي ﷺ جاءت لتقرير أصول الإيمان بالخالق والوحي والتكليف

جاء [النبي ﷺ] ليُقرّ بأن هذا الكون مخلوق لخالق. جاء ليُقرّ بأن الله بعدما خلق الخلق لم يتركهم عبثًا. جاء ليُقرّ بأن الله قد أنزل الكتب وأرسل الرسل، وأمر الإنسان أن ينتهج نهجه وأن يسير على طريقه سبحانه وتعالى، الصراط المستقيم.

فأنزل [الله سبحانه وتعالى] افعل ولا تفعل: الواجبات والمحرمات، المندوبات والمكروهات، افعل هذا ولا تفعل ذلك. فلم يتركنا عبثًا، ولم يتركنا لعقولنا ولا لأنفسنا.

الفرق بين المتدينين وغيرهم في مصدر التشريع وعمارة الأرض

وهذا هو الفرق ما بين المتدينين وبين غير المتدينين. عمارة الأرض كيف تتم؟ قالوا [المتدينون]: من خلال أوامر الله ونواهيه. الآخرون قالوا: لا، ليس لنا علاقة [بالوحي]، حتى لو آمنوا بالله لا يؤمنون بالوحي؛ من عقولنا نتدبّر ونتفكّر ونفعل ما نراه صالحًا، نحن الذين نراه صالحًا.

الآخر [المؤمن بالوحي] يقول: لا، ما يراه الله صالحًا فهو صالح، وما يراه الله فاسدًا فهو فاسد.

﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا إِلَّآ إِيَّاهُ﴾ [يوسف: 40]

وجوب التحاكم إلى الوحي والتسليم لحكم الله دون حرج

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: 65]

مما قضيت ويُسلّموا تسليمًا. لا تجد حرجًا هكذا وأنت تتّبعه، لماذا؟ لأنك مؤمن بالوحي.

ويوم القيامة سنعود فيه إلى ربنا للحساب وللعقاب وللثواب، ولرفع النزاع فيما كنا فيه نختلف، بما كان سبحانه وتعالى يعلمه منا ومن نيّاتنا.

الرسول ﷺ لم يأتِ بخلاف ما عند أهل الكتاب من أصول الإيمان

إذن لم يأتهم الرسول [صلى الله عليه وسلم] بخلاف؛ ليس لديهم أيّ شيء [يختلفون فيه معه] في الجملة: ألوهية، وحي، يوم آخر، غيب، تكليف. ما هو الذي لديكم هكذا؟ أي لم يأتك النبي فيُخرجك من نمط تفكيرك العام.

فلمّا لم تصدّق به وقد تكاثرت الآيات والمعجزات في تأييده وإثبات نبوّته.

﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 101]

بأمر الله، مصدّقٌ لما معهم، مصدّقٌ لما معهم وليس مخالفًا له؛ فليس هناك منازعة ولا بحث فكري ولا عقلي.

معنى النبذ في الآية وتفصيل أصناف الناس تجاه الرسول ﷺ

نبذ فريقٌ. انظر بغاية الدقة: لم ينبذوا [جميعًا]، لم ينبذ فريقٌ وفريقٌ آخر [فقط]، لا. لم ينبذ فريقًا [واحدًا بل أصنافًا]:

  • فريقٌ لم يعلم.
  • وفريقٌ علم فآمن.
  • وفريقٌ آخر اختلط عليه الأمر.
  • وفريقٌ رابع تدبّر ونبذ عن علم.

ففي كلمة «نبذ» ظلالُ البُعد والإلقاء والإهمال. نبذ، و:

﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِٱلْأَلْقَـٰبِ﴾ [الحجرات: 11]

كلمة أوّل ما تسمعها تشعر فيها بالعداوة؛ واحدٌ يعادي الآخر فيتنابذان بالألقاب، أي يشتمه ويسخر منه.

معنى نبذ فريق من أهل الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم

فنبذ، يعني ماذا؟ يعني خاصمه فأصبح خصمه. نبذ يعني فعل شيئًا مثل المخاصمة والمقاطعة هكذا.

هو فريقٌ من الذين أوتوا الكتاب، كتاب الله. الكتاب أين؟ كتاب الله الخاص بهم أم كتاب الله الذي هو القرآن؟ كلاهما ينفع.

كتاب الله الخاص بهم يعني: ألم يرجعوا إلى كتابهم حتى يروا فيه علامة النبي صلى الله عليه وسلم وحتى يصدّقوا ما معهم؟ نبذ فريقٌ من الذين أوتوا الكتاب، كتاب الله الذي كان حجّةً عليهم.

محاججة أهل الكتاب بكتابهم وبيان انحرافهم عن دينهم

لمّا آتي أنا وأجد واحدًا يخالف كتابه، يبقى [ذلك] حجّةً عليه؛ أن أقول له: تعال، أيأمرك كتابك بهذا؟ اتركه، ليس لك شأن بالكتاب الآخر ولا الثالث الذي أنت لست مؤمنًا به. كتابك أمرك بهذا أم لا؟

فلا بدّ علينا من أن نسأل هذا السؤال: إذا كان كتابك لم يأمرك بهذا فقد انحرفت عن دينك، ليس عن ديني أنا، هذا عن دينك أنت؛ لأنك كنت تفتح الكتاب كلّ حين وتقول لنا. فلماذا لا تفتح الكتاب وتقول لنا؟

مثال عملي على مخالفة أتباع المسيح لوصاياه في محبة الأعداء

افتح الكتاب وقل لنا: إن سيدنا المسيح مثلًا قال: أحبّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم. فعندما يخرج واحدٌ من أتباع سيدنا المسيح ولا يحبّ أعداءه ولا يبارك لاعنيه، بل يسخر منه ويستهزئ.

والله ما أنت خالفت دينك هكذا، ليس ديني أنا، ليس ديننا نحن، هذا دينك أنت الذي خالفته. خالفت دينك لأنك خالفت السيد المسيح في مقولته هكذا: يقول لك أحبّ أعداءك، أنت ما أحببتهم، أنت استهزأت بهم. باركوا لاعنيكم، ما باركتموهم.

ما أنزلت عليه اللعنات والويل والثبور وعظائم الأمور! إذن فقد خالفت دينك، ويبقى [ذلك] حجّةً عليه.

نبذ أهل الكتاب لكتابهم وتظاهرهم بالجهل عند ظهور حقيقة النبي ﷺ

ولذلك هنا عندما يأتي [القرآن] ليقول: أوتوا الكتاب، كتاب الله، فيكون كتاب الله هذا الذي هو ماذا؟ الكتاب الخاص بهم. هم نبذوه عندما تعلّق الأمر بحقيقة النبي صلى الله عليه وسلم.

﴿وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 101]

هذا نحن نقول عليها في العامية: يتظاهر بالغباء، يتظاهر بالغباء، يخدع نفسه، يخدع نفسه هكذا. كأنهم لا يعلمون وهو يعلم!

﴿لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71]

فهو يعلم ولكنه يُنزل نفسه منزلة الذي لا يعلم.

اتباع الهوى يحجب الحق ويجعل صاحبه يتخلى عن ميزان العدل

وهذا ما هو؟ هذا هوى.

﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ [الجاثية: 23]

كيف رأيت الذي اتخذ إلهه هواه؟ أرأيت الذي اتخذ إلهه هواه، أفأنت تكون عليه وكيلًا؟

فالذي يتخذ إلهه هواه يُغشي عليه الحقّ، يلبس الحقّ بالباطل عنده، يجعله يتخلّى عن مصادره، ويجعله صاحب هوى لا يحكم بالحقّ ولا يُمسك بميزان العدل.

الدروس المستفادة من الآية في التمسك بالكتاب والإنصاف والعدل

إذن هنا ربنا يعلّمنا من خلال نعيه على أولئك بتلك الصفات، بأن نتمسّك بالكتاب وأن نتمسّك بالإنصاف، وأن:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]

إذن يأمرنا هنا ألّا نكون أمثالهم، وأن لا نخالف كتابنا، وأن نتمسّك به فهو العروة الوثقى، وأن نرجع إليه، وأن ننصف في فهم الكتاب وفي فهم الحقّ وفي فهم الواقع، وإلّا نخرج عن هذا الحدّ، وإلّا نُعيَ علينا كما نُعيَ عليهم.

خلاصة الآية وضرورة تحويل القرآن إلى كتاب هداية وتغيير للنفس

إذن:

﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 101]

فنحن مأمورون ألّا نتغافل وألّا نكتم الحقّ، وأن نبدأ بأنفسنا فننقدها إلى آخر هذه المعاني الجليلة.

التي إذا ما فهمناها من كتاب ربنا ولم نقصر هذه الآية على تاريخ قد مضى وعلى أقوام قد فعلوا، تحوّل الكتاب إلى كتاب هداية كما أراده الله في إنزاله لنا. وكنّا منصفين من أنفسنا حيث إننا لا نعمل مثل ما كانوا يفعلون، ونبدأ بأنفسنا فنغيّرها حتى يغيّر الله سبحانه وتعالى حالنا إلى أحسن حال.

دعاء ختامي بشرح الصدر للإسلام والحياة والممات على الإسلام

اللهم اشرح صدورنا للإسلام، وأحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين.

والحمد لله رب العالمين، وإلى لقاء آخر أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.