سورة البقرة | حـ 103 | آية 88 : 89 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يبين النص موقف بني إسرائيل من الإيمان كما ورد في سورة البقرة، حيث قالوا "قلوبنا غلف" متحدين ومستكبرين.
- •جعل الله هذه المقولة ترجمة لحقيقة حالهم، وقابلها بقوله: "بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون".
- •اللعنة هي الإبعاد من رحمة الله، وهي مرتبطة بكفرهم وليس بذواتهم، مما يعني أن لديهم فرصة للعودة إلى الإيمان.
- •يشير النص إلى جماعات يهودية معاصرة تعارض الصهيونية وترى أن العودة إلى فلسطين تغضب الرب، وهم قلة كما قال تعالى: "فقليلا ما يؤمنون".
- •كان اليهود يستفتحون على المشركين بقدوم نبي، لكنهم كفروا به لما جاء لأنه من العرب.
- •يورد النص قصة صفية بنت حيي التي آمنت وهي صغيرة حين سمعت أباها وعمها يتحدثان عن النبي بعد لقائهما به.
- •استقر في قلبها أنه النبي الخاتم المذكور في التوراة فآمنت وتزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم.
مقدمة الدرس وتلاوة آية وصف حال بني إسرائيل في سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه اللحظات في سورة البقرة، في وصف حال بني إسرائيل.
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 88]
قسوة قلوب بني إسرائيل ورفضهم الطاعة رغم وضوح الآيات
هناك [في موضع آخر من سورة البقرة] قال لهم:
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 74]
هنا قال لهم: أنتم لا ترضون أن تطيعوا، لماذا؟ ترون الآيات أمامكم وترون الكرم أمامكم، والمسألة واضحة وسهلة دنيا وآخرة، فلماذا الاعوجاج؟
فهناك كِبر؛ ما هو [الفرق]؟ في قوم قالوا:
﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]
وفي قوم آخرين قالوا:
﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: 93]
نحن لا نريد أن نسمعك يا أخي.
تشبيه رفض بني إسرائيل بإباء إبليس واستكباره عن السجود
وهذا التنبيه الأول [كان] في قصة آدم [عليه السلام]:
﴿إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: 34]
أبى الأمر ورفضه، واستكبر أن يرجع إلى الحق. فهؤلاء هنا قالوا: قلوبنا غلف، يعني أبى واستكبر. قال له: قلبي هكذا، لست أطيقك، لا أريدك.
نعم، لماذا؟ طيب، يعني يوجد شيء مبرر؟ قال له: قلبي هكذا، قلبي لا يطيقك! هذا نسميه أهل الأهواء. المسألة ليست منطقية؛ لو كانت منطقية لكانت تصبح عكس ذلك.
اتباع الهوى وجعله إلهًا من دون الله كما وصف القرآن
فما بال أهل الأهواء هؤلاء؟ يعني ما شكلهم؟ قالوا: ولا شيء، هو هواه، لا يرى إلا هواه.
﴿أَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: 43]
ربنا ذكر هكذا، يقول:
﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ [الجاثية: 23]
ذكرها مرتين. ما هذا الإله؟ الهوى الذي يطيعه ويعجب به ويحبه ويسير وراءه. وراء ماذا؟ هذا هواه الذي هو ماذا؟ نفسه هكذا تقول له من داخله.
مقولة قلوبنا غلف تحدٍّ واستكبار وترجمة حقيقية لحالهم
فلماذا لا يسمع الموعظة؟ ولماذا قالوا: قلوبنا غلف؟ على فكرة، هذه المقولة تحدٍّ واستهتار واستنكار، إباء [و] استكبار.
ولكنها جعلهم الله سبحانه وتعالى -وهو الذي خلقها- على ألسنتهم ترجمةً للحق.
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: 88]
نحن هكذا. نعم، أنتم هكذا فعلًا، وأنتم قلوبكم غلف فعلًا، وأنتم اتخذتم إلهكم هواكم.
حقيقة اللعنة الإلهية وسببها الكفر لا الذوات وفيها رحمة
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 88]
ليست القضية هكذا؛ إن القضية أن الله سبحانه وتعالى لما اطلع على قلوبهم وما فيها من دَخَل فإنه سبحانه وتعالى أنزل عليهم لعنته. واللعنة ما هي؟ اللعنة هي الإبعاد من رحمة الله.
﴿بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 88]
هذه هي الحقيقة، أن الله قد لعنهم بكفرهم. الباء هنا باء السبب [السببية]، يعني بسبب كفرهم. يبقى إذن هو لم يلعنهم لذواتهم. كيف يلعنهم لذواتهم وهم أبناء إسرائيل، وإسرائيل هو يعقوب [عليه السلام]؟ هؤلاء من عائلة طيبة، أي أن أصولهم طيبة، فليس بسبب ذواتهم وإنما بسبب كفرهم.
الرحمة في ربط اللعنة بالكفر وفرصة العودة إلى الإيمان
وهذه الكلمة فيها رحمة:
﴿بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: 88]
والرحمة تأتي من أن هناك فرصة أن يرجعوا ويؤمنوا ويدخلوا في الإيمان، فلا يلعنهم ربنا؛ لأن الله ربط اللعنة بالكفر. فلا تقف تحت سيل الكفر، قف تحت سيل الإيمان فتجد الرحمة التي هي ضد اللعنة معك. فيبقى باختيارك، فتكون أنت في الواقع السبب.
﴿فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 88]
القليل إذن هو الذي يعي هذه الحقيقة.
جماعات يهودية ضد الصهيونية تؤمن بأن العودة تغضب الرب
يوجد هناك جماعات تسمى جماعات ضد الصهيونية، ومنهم أناس مقيمون هناك في لندن وفي النمسا وهكذا إلى آخره. يقولون: إننا إذا رجعنا إلى أرض الميعاد إلى فلسطين، رجوعنا إليها إلى هذه الأرض يُغضب الرب الله.
فمن إذن هؤلاء القاعدون هناك ويستمرون في جلب لنا كل هذه المشاكل؟ هؤلاء القاعدون هناك يُغضبون الرب. وهذا النص الذي لدينا، وأخرجوا النصوص.
قالوا: نحن لو رجعنا ربنا لا يرضى عنا، ربنا حرمنا منها عندما طغينا وعبدنا الوثن، وقال لنا: لا ترجعوا إلى هنا مرة أخرى حتى أغفر لكم. سبحان الله!
قلة المؤمنين من بني إسرائيل وصدق وصف القرآن لهم
فكم عددهم؟ مائة ألف، وعدد الناس الباقين كثير جدًّا، نحو خمسة عشر مليونًا. صدق الله:
﴿فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 88]
والذي يفهم أنه بكفره يكون محلًّا للعنة الله، وأنه إذا ما التزم بعهد الله وميثاقه يكون في الرحمة، قليل.
﴿فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 88]
مجيء القرآن مصدقًا لما مع بني إسرائيل وشهادة ورقة بن نوفل
ولما جاءهم كتاب من عند الله، أي من حكم الله، وهذا الكتاب صفته أنه مصدق لما معهم [من التوراة].
ولذلك ورقة بن نوفل لما سمع القرآن قال: والله يا محمد، إن هذا من مشكاة واحدة مع ما أتى به موسى [عليه السلام]، من مشكاة واحدة، أي أن هذا مثله تمامًا.
استفتاح اليهود بالنبي المنتظر على العرب قبل بعثته
وكانوا من قبل [مجيء النبي ﷺ] يستفتحون على الذين كفروا [من العرب]. كان اليهود موجودين في خيبر، وكانوا موجودين في المدينة، وكانوا موجودين في اليمن، وكانوا موجودين مع العرب.
وكانوا يقولون لهم: إن نبيًّا قادم وسنقودكم جميعًا هكذا بالعصي إن شاء الله. عندما تحدث خصومة بينهم وبين بعضهم، قالوا لهم: متى هذا النبي؟ فقالوا: اقترب للغاية.
قصة إسلام صفية بنت حيي وإيمانها بالنبي وهي طفلة
ها هي صفية رضي الله تعالى عنها وأرضاها، أم المؤمنين، لما جاءت ورأى النبي صلى الله عليه وسلم إكرامها وأن تكون عنده، وأن يعتقها لأنها ابنة الأكابر، وعرض عليها الإسلام.
فقالت: أنا مسلمة يا رسول الله. قال لها: وكيف هذا؟ الأسرى قادمون من خيبر الآن، أأسلمتِ في الطريق أم ماذا؟ قالت: لا يا رسول الله، أسلمتُ وأنا ابنة تسع سنين.
كيف؟ قالت: جاءك أبي وعمي، وكان أبي لا يقدر على فراقي، فإذا دخل أخذني في حضنه هو وعمي. وفي ذلك اليوم دخلا فلم يلتفتا إليّ ولم يشعرا بي، ورأيت الهمّ على وجههما، وسمعت عمي يقول لأبي: أهو؟ فقال أبي: هو هو.
رفض اليهود للنبي لأنه من العرب وتحريفهم للنصوص بسبب ذلك
وهي عندها تسع سنوات، أبوها وعمها زارا النبي ﷺ، رجعا متكدرين؛ لأنه تبين أن النبي من العرب من قريش، ليس من عندهم.
﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32]
هم يعني هم يقسمون الكون؟ يعني هذا من عندنا وهذا ليس من عندنا! ومن أجل هذا حرّفوا قضية سبط هارون وما سبط هارون، واختلطت الحكاية من أجل هذا التحريف. لكن لم يعرفوا كيف يحرفوا بشكل صحيح، فبقي الكلام متناقضًا في كلام طويل.
إيمان صفية الصغيرة بالنبي الخاتم وزواجها منه صلى الله عليه وسلم
لكن الفتاة [صفية رضي الله عنها] عندما سمعت هذا، وقر في قلبها أنه النبي الخاتم الذي تحدثت عنه التوراة، وهو المسيّا، فآمنت.
فلما وصلت إلى سيدنا رسول الله ﷺ كانت مسلمة، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصارت أمًّا من أمهات المؤمنين.
كفر بني إسرائيل بالنبي بعد أن كانوا يستفتحون به ولعنة الله عليهم
﴿وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 89]
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
