سورة البقرة | حـ 100 | آية 83 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 100 | آية 83 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل ينطبق علينا أيضاً لأن الأنبياء جاءوا بدين واحد يدعو لعبادة الله وفعل الخير.
  • أمر الله بعبادته وحده والإحسان للوالدين وذوي القربى واليتامى والمساكين وقول الحسن للناس وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
  • الصلاة في أصلها عبادة قاصرة تنفع صاحبها، لكنها تتحول لعبادة متعدية إذا نهت عن الفحشاء والمنكر.
  • الزكاة عبادة متعدية بطبيعتها تنفع الآخرين وتُحدث دورة اقتصادية مهمة في المجتمع.
  • الاستهلاك ضروري لتحريك الاقتصاد والعيب ليس فيه بل في الإسراف.
  • من الحكمة "اطمر بئراً واحفر بئراً ولا تعطل أجيراً" لأهمية تشغيل الناس وتحريك الاقتصاد.
  • اللورد كينز اقترح أن تخرج الدولة من الأزمة الاقتصادية ببناء جسور ثم هدمها لتشغيل العمال.
  • الخطاب الإلهي يوجه المجتمع نحو الصلاح ويتطلب جماعة لتطبيقه فالقليل لا يكفي.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة في ميثاق بني إسرائيل وعلاقته بالأمة الإسلامية من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله في سورة البقرة، إذ يقول ربنا سبحانه وتعالى موضحًا الميثاق الذي أخذه على بني إسرائيل، وهو في الحقيقة يعلمنا إياه ويأمرنا به؛ لأن الرسل جاءت بدين واحد، بدعوة واحدة، بخير واحد، بقضية واحدة تربي الإنسان في هذا الكون على عبادة الله وفعل الخيرات.

قال [الله تعالى]:

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ﴾ [البقرة: 83]

معنى إقامة الصلاة وشروط أن تنهى عن الفحشاء والمنكر

أقيموا الصلاة يعني اجعلوها مستقيمة، بأن تنهاكم عن الفحشاء والمنكر، وذلك بعد تمام شروطها وأركانها وخشوعها ولذة اتصالك بربنا سبحانه وتعالى.

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]

والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول:

«من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له»

يعني ستكون [الصلاة] فقط تسقط عنك الفريضة، ولكن لا تتمتع أيها المسلم بفوائدها، ولا يتمتع غيرك بها، وتكون حينئذ عبادة قاصرة على نفسك.

الفرق بين العبادة القاصرة والعبادة المتعدية في الصلاة

إنما إذا وصلنا بها [بالصلاة] إلى أن منعتك من الفحشاء والمنكر، من قول الزور وشهادة الزور والرشوة والفساد، من السعي في الأرض فسادًا والإفساد بين الناس بالغيبة والنميمة إلى آخره، يبقى إذا كانت كذلك [أي لا تنهى عن هذه المنكرات] لا تفيد كل هذا فهي قاصرة عليك.

أما إذا كانت كذلك [أي تنهاك عن الفحشاء والمنكر] وقد نهيتك عن الفحشاء والمنكر، فقد أصبحت عبادة متعدية. تعني ماذا؟ تعني أن خيرها عائد على نفسك وعلى الآخرين، وليس مقتصرًا على نفسك فقط. المقتصرة تعني على نفسك فقط، أما المتعدية فتكون على الناس أجمعين.

أثر الصلاة المتعدية على المجتمع وعلاقتها بذكر الله الحقيقي

فعندما تكون إنسانًا حضاريًا معمِّرًا تعمر الأرض محترمًا، فإن هذا يعود على الآخرين بالخير. ما أنت لن تقف أمام أحد ومصلحته وتطلب منه رشوة، أليس كذلك؟ لأنك تصلي.

فماذا يعني أن تصلي؟ يعني أن تذكر ربك، ولذلك قال [الله تعالى]:

﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]

من الصلاة التي هي سبع عشرة ركعة، فذكر الله على حقيقته يجعلك تخشى الله وتعمل الخيرات، فلا تفسد مصنعك بسبب منافسة بينك وبين المدير. لا، أعمل دائمًا لمصلحة الأرض.

ما مصلحة الأرض؟ أن تُعمَر ولا يكون فيها فساد.

الصلاة والزكاة بين العبادة القاصرة والعبادة المتعدية

﴿وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ﴾ [البقرة: 83]

الأصل في الصلاة في ذاتها أنها عبادة قاصرة، وهذه العبادة القاصرة إذا ما أتت ثمارها تحولت إلى عبادة متعدية لنفع الغير.

والأصل في إيتاء الزكاة أنها عبادة متعدية، ولو أنها فقدت شروطها لأصبحت قاصرة، على عكس الصلاة. ولكن كلاهما يكون متعديًا إذا استوفى أركانه؛ لأنك تخرج المال للآخر، والآخر يأخذ هذا المال ويستفيد منه فتنفع الناس.

الدورة الاقتصادية الناتجة عن إنفاق أموال الزكاة في المجتمع

فماذا يحدث عندما يأخذ الناس الأموال [أموال الزكاة] وينفقونها في المجتمع؟ يحدث أن الناس تبيع البضائع التي لديها من الطعام والشراب والملابس وهكذا.

وعندما يبيع [التاجر] البضاعة التي لديه، ماذا يحدث؟ تحدث دورة اقتصادية، بأن البقال سيذهب إلى المصنع ويقول له: أحضر لنا بضاعة، فقد نفد ما لدينا.

أهمية الاستهلاك في الاقتصاد والفرق بينه وبين الإسراف

إذن الاستهلاك مهم. بعض الناس يظن أن الاستهلاك خطأ، لا، بل الاستهلاك مهم.

فما الذي هو خطأ إذن؟ الإسراف.

﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: 31]

حسنًا، وهذا يستلزم ماذا؟ أن تلبس زينة، وستجلب الزينة من أين؟ ستشتريها. يعني ماذا؟ ستنفق، ستخرج من جيبك، ستستهلك.

﴿وَكُلُوا﴾ [الأعراف: 31]

من أين؟ الطعام، ستشتري الطعام.

﴿وَٱشْرَبُوا﴾ [الأعراف: 31]

من أين ستجلب الشراب؟ ستشتري الشراب. أم تسرف فيه؟ آه، إذن العلة في عدم الإسراف وليس في عدم الاستهلاك. عدم الاستهلاك هذه مصيبة، يموت هذا [أي الاقتصاد]، أن الناس تهلك بضائعهم وتكسد، هذا أمر خطير جدًا.

حكمة المثل الشعبي اطمر بئرًا واحفر بئرًا ولا تعطل أجيرًا

ولذلك قالوا في الأمثال وفيها حكمة: اطمر بئرًا واحفر بئرًا ولا تعطل أجيرًا. يعني تأتي به وتقول له: احفر بئرًا هنا، يقول لك: حاضر، وهو ما دام لا يوجد عمل يحفر البئر فتخرج المياه.

امضِ، نريد هذه المياه، خذ عشرة جنيهات. قل له: فتعال إليّ غدًا. سآتيك غدًا. قل له: اطمر البئر هذا. يعني الذي أخرجته اعمله مرة أخرى.

هذا عبث؟ قال: أبدًا ليس عبثًا. اطمر بئرًا، احفر بئرًا، واطمر بئرًا، ولا تعطل أجيرًا. هذا نحن نعمل هذه الأشياء لكي لا يتعطل الأجير.

خطورة تعطل الأجير وأثره على المجتمع والاقتصاد

وهذا الأجير عندما يتعطل فماذا سيفعل؟ إما أن يتسوَّل، وإما أن يسرق، وإما أن يكون بلاءً على البلد، وإما أن يقعد هكذا ينتظر موته هلاكًا، فيموت السوق معه.

وآتوا الزكاة، هذه [الزكاة] للاستهلاك، ولذلك فيها أحكام غريبة كثيرة من الناس لا يعرفونها؛ لأنها نادرة، يمكن ألا تحدث، ولكن الحكمة التي وراءها [عظيمة].

حكم الإمام الشافعي فيمن استحق الزكاة ورفض أخذها وقوتل عليها

الإمام الشافعي يقول: إن من استحق الزكاة ولم يأخذها قُوتِل عليها.

ما هذا؟ نحن نعرف أن القتال هذا كان لمانعي الزكاة، في واحد لا يريد أن يخرج من جيبه الزكاة. لا، هذا [ليس المقصود]. لا، هذا [ليس المقصود].

الفقير ذهبت إليه، قلت له: خذ المال، هذه زكاة، وهو محتاج وهو مستحق. قال: لا نريد. يعني الأصل أنا لا أريد أن آخذها، ما كان يريد أن يأخذها.

فلماذا قال لا؟ أيضًا لا يصح أن آخذها لأنني أعني ابن ناس. نعم، ولكنك تحتاجها. قال: لا، لن آخذها. قال له: آه، أخرجوا له السيف! أخرجوا له ماذا؟ السيف! وهددوه وقالوا له: ستأخذها وإلا سنقطع رقبتك.

سبب إجبار مستحق الزكاة على أخذها لضمان دوران المال في المجتمع

ما هذا؟ لماذا هكذا؟ قال: لأنه يمنع من دورانها [أي دوران الأموال في المجتمع]، يمنع من دورانها.

هذا [المستحق] يجب أن يأخذها ويذهب يعالج بها الأطفال، يعلم بها الأطفال، يأكل ويشرب، يسدد ديونه، يقلب المجتمع [أي يحرك عجلة الاقتصاد].

اللورد كينز يقول هكذا: لما حدثت أزمة التاسعة والعشرين [أزمة 1929 الاقتصادية]، قام فقال هكذا في الاقتصاد الكلي: قال الدولة كي تخرج من الأزمة هذه تذهب تجعل الناس تبني جسرًا وبعدئذ تهدمه.

الذي [هو] كلامنا: احفر بئرًا واطمر بئرًا ولا تعطل الأجير. قال إن هذا سيجعل الأسمنت يعمل، والحديد يعمل، وعمال الجسر يعملون، والهادمين الذين هدموا الجسر يعملون، فالاقتصاد الكلي للبلد يدور مرة أخرى.

إعراض بني إسرائيل عن الميثاق وتوليهم عن أوامر الله تعالى

﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [البقرة: 83]

فلم ترضوا، فتحوا خمسة معابد يعبدون فيها الأصنام، والحمد لله أن وقى أمة محمد صلى الله عليه وسلم من عبادة الأوثان.

﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ﴾ [البقرة: 83]

وهؤلاء القليل لا ينفعون. قال: لا، ما لا ينفعون؟ القليل لا ينفع؛ لا بد من أمة من الناس، وإلا فإن أثر هذه الأوامر لا يبقى.

﴿وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ﴾ [البقرة: 83]

فما معنى كلمة "ثم"؟ معناها أنهم بعد تدبر وعن عمد وقصد، كما كررنا ذلك. و"أنتم" [تعني] أنهم لم يتركوا هذا [الميثاق] فحسب، بل فعلوا أضدادها.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.