سورة آل عمران | حـ 363 | آية 14 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •بيّن الله تعالى في الآية الكريمة أن حب الشهوات من النساء والبنين والأموال والخيل والأنعام والحرث مزين للناس بفطرتهم.
- •أُخفي الفاعل في قوله "زُيِّن للناس" إما لتحقيره أو لتعدده، فالمزين قد يكون الشيطان أو شياطين الإنس أو الهوى أو الدنيا بزخرفها.
- •هذه الشهوات متاع الحياة الدنيا وليست محرمة، بل هي من زينة الله التي أخرجها لعباده.
- •الزهد الحقيقي لا يكون إلا بعد امتلاك الدنيا، فمن ادعى الزهد وهو غير قادر على تحصيلها فهو يخدع نفسه.
- •الزاهد الحقيقي من حصّل الدنيا ووضعها في يده لا في قلبه، وأدى حقوق المال من زكاة وصدقات.
- •المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، والقوة تشمل القدرة على تحصيل المال.
- •ينبغي استغلال هذه الشهوات في عمارة الأرض والعبادة والتزكية، وعدم التعلق بها والانشغال عن الآخرة.
تلاوة آية تزيين الشهوات وبيان الحقيقة الخلقية التي فُطر عليها الناس
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ﴾ [آل عمران: 14]
يُقرِّر ربُّنا سبحانه وتعالى حقيقةً خِلقيَّةً خُلِقَ الناسُ عليها، ثم أمرهم بأن يُهذِّبوا خِلقتَهم بالتكليف الذي أنزله، وبالوحي الذي أوحاه لأنبيائه ورسله.
يقول ربُّنا سبحانه وتعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾، أي من شأن الناس أن تَقبلَ ذلك التزيين. يعني ربُّنا خلقني وخلقني في ضعفٍ، بحيث أنَّ الشيطان لو زيَّن لي هذا [الأمرَ] أراه حسنًا، ولو أنَّ أحدَهم من شياطين الإنس زيَّن لي هذا أراه حسنًا، فأنا قابلٌ لأن أُخدَع بتزيين الشيطان أو تزيين شياطين الإنس.
سبب إخفاء الفاعل في قوله تعالى زُيِّنَ للناس وتعدد المزيِّنين
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ — مَن الذي زيَّن؟ هو [سبحانه] لم يقل ربُّنا الذي زيَّن، لم يقل: "زيَّن للناس"، بل قال: ﴿زُيِّنَ﴾ [بالبناء للمجهول]، فيكون أخفى مَن أخفى الفاعل.
ولماذا أخفى الفاعل؟ قال لك: لاحتقاره أولًا، وثانيًا قال: لتعدُّده؛ لأنَّ الذي يُزيِّن هو الشيطان، والذي يُزيِّن هم الإنس، والذي يُزيِّن هو هوى الإنسان، والذي تُزيِّن هي الدنيا وبهرجتُها هي نفسُها تُزيِّن للمرء.
ربما الواحد يكون سائرًا هكذا دون أن يُكلِّمه أحدٌ أو يفعل له أحدٌ شيئًا، ولا هو حتى يُفكِّر هو نفسُه، لكنَّ زينةَ الدنيا تجذب عينيه. فمَن الذي زيَّنها؟ أشياءٌ كثيرةٌ زيَّنتها. إذن فقد أُخفيَ الفاعلُ هنا إمَّا لتحقيره، أو ربما لتعدُّده، أو ربما للعلم به؛ فنحن جميعًا نعرف مَن هو الذي زيَّن لنا.
الشهوات المذكورة في الآية وبيان أنها متاع مباح لا محرَّم
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ﴾ [آل عمران: 14]
فالشهوات محبَّبة. لا شيءَ من هذه الأمور يمنع أن نُحصِّلها؛ لأنَّ ربَّنا وصفها وقال: ﴿ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [آل عمران: 14]، هو لم يُحرِّم متاعَ الحياة الدنيا.
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ﴾ [الأعراف: 32]
يبقى إذن هذه الأشياء بحِلِّها من نِعَم الله ومن زينة الله، ولذلك يجوز تحصيلُها.
دعاء السلف الصالح بجعل الدنيا في الأيدي لا في القلوب ومعنى الزهد الحقيقي
ولكنَّ السلف الصالح في دعائه يقول: "اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا". يعني ماذا "اللهم اجعل الدنيا في أيدينا"؟ يعني لا بدَّ من أن تسعى لتحصيلها.
قال رسول الله ﷺ: «المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ عند الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير»
والزهد الحقيقي لا يكون إلا بعد امتلاك الدنيا. لا يأتي شخصٌ مُفلِسٌ غيرُ قادرٍ على الزواج، غيرُ قادرٍ على تحصيل الأموال، ويدَّعي أنه زاهدٌ في الدنيا. زاهدٌ في ماذا؟ أنت أصلًا غيرُ قادرٍ على تحصيلها، أنت تخدع نفسك، لستَ قادرًا على تحصيلها أصلًا.
إنما الزاهد ذلك الذي حصَّلها وكانت في يده، فلم تمتلكه ولم تُنسِه أمرَ الله من إخراج الزكاة، من فرض صدقةٍ عليه.
وجوب أداء حق المال والزهد في الدنيا وفيما في أيدي الناس
فإنَّ في المال حقًّا، فإنَّ في المال حقًّا سوى الزكاة.
قال النبي ﷺ: «إنَّ في المال حقًّا سوى الزكاة»
لا تنسَ أن تعمل صدقةً جاريةً تنفعك بعد موتك في آخرتك بعد مماتك، تقوم ولا بدَّ بواجب المال في نفسك كما أمرك ربُّك. تكون زاهدًا هكذا.
قال النبي ﷺ: «ازهَدْ في الدنيا يُحبَّك الله، وازهَدْ فيما في أيدي الناس يُحبَّك الناس»
ولذلك مما أرشد صلى الله عليه وسلم ألَّا نطلب من الناس شيئًا. فكان الصحابيُّ الذي روى الحديث إذا سقط منه سوطُه والعصا التي له، نزل من الفرس فجاء به [بنفسه]. النزولُ من الفرس والصعودُ صعبٌ، يعني يقول لشخصٍ ما: ناوِلني هذه العصا، لن يحدث شيءٌ. قال: لا؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا تسأل الناسَ شيئًا". لا نريد منكم شيئًا، لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا.
ضرورة دراسة أصناف الشهوات المذكورة في الآية دراسة اجتماعية ونفسية
إذا ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾ [آل عمران: 14]، أو أصبحت الدراسات الاجتماعية والنفسية كانت تتناول هذه الآية — المفترض — وتبحث في هذه الأصناف: العلاقة بين الرجل والمرأة، وتجعلها موضوعًا للدراسة، وتنظر ما هو المتاح والمباح والذي يجب والذي ينبغي وما إلى ذلك.
والعلاقة بين الأب والأم والأبناء، وتُجري عليها دراساتٍ مماثلة، وترى كيف يكون الحال. إنَّ الله تعالى يقول أنَّ هناك علاقة، والعلاقة هذه قد تكون حسنةً وقد تكون سيئة، قد تُورِد الإنسانَ الجنةَ وقد تُورِده إلى المهالك.
فمتى يكون ذلك؟ وكيف يكون؟ وكيف نعمُر الأرض بمثل هذه المعاني؟ إنه كلامٌ كبيرٌ يحتاج إلى دراساتٍ وأبحاث، ويكون في هذا الكتاب [القرآن الكريم] هدايةٌ لمن تتبَّع مثل هذا.
حب المال الذي لا يشبع واستغلال الشهوات في عمارة الأرض والعبادة
﴿وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: 14]
يا أخي، لا تجد الأغنياء المليارديرات يطلبون الزيادة دائمًا، لا يكتفون أبدًا، دائمًا يريدون المزيد. أحدُهم يعمل ليلَ نهارَ كأنه أفقرُ الفقراء، سبحان الله!
كيف نستغلُّ هذا [الدافعَ الفطري] في عمارة الأرض؟ ما دام الإنسان شكلُه هكذا، ماذا نفعل؟ انتبه: إذا كانت هذه الأمور يجب استغلالُها لمصلحة العبادة والعمارة والتزكية.
فاللهم يا ربَّنا اجعلنا من المتقين، واجعل لنا عندك حُسنَ مآب. وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
