سورة آل عمران | حـ 377 | آية 24 - 25 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 377 | آية 24 - 25 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • يذكر القرآن حال بعض أهل الكتاب الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فجزاؤهم الخزي في الدنيا.
  • ظنهم الخاطئ أن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات دليل على استهانتهم وجهلهم بعظمة الله وحقيقة عذابه.
  • قوله تعالى "وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون" يشير إلى أنهم صدقوا أوهامهم وبنوا عليها معتقداتهم.
  • توجد هذه العلة في بعض من يدعون الثقافة اليوم، إذ يبنون فكرهم على أجزاء متناثرة من المعلومات وأوهام دون حقائق.
  • الفرق بين التفكير المستقيم وغير المستقيم أن الأول مبني على حقائق وعلم، والثاني مبني على هوى وخيال.
  • سيفاجأ هؤلاء يوم القيامة حين تزول الأوهام وتظهر الحقائق، ويتوفى كل إنسان ما كسب.
  • أما من رتب أموره ترتيباً علمياً حقيقياً فلا يتوه، معتمداً على الكون الدال على وجود الله وكتابه المعجز.
  • القرآن محفوظ ونبي الإسلام مؤيد بمعجزات كظهور قبره باقياً معلوماً إلى يوم الدين.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

وصف حال الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب وفرارهم من الحق

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى عن أولئك الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، ولكنهم لم يكونوا من الراسخين في العلم، واتبعوا أوهامهم وأفكارهم دون أن يتبعوا الحقائق. وإذا ما دُعوا إلى كتاب الله فإنهم يفرون منه فرارًا.

يقول ربنا في شأنهم:

﴿ذَلِكَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 23]

يعني هذه الحالة من اتباعهم لجزء من الكتاب وكفرهم بجزء منه:

﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [البقرة: 85]

علة الاستهانة بعذاب النار وزعمهم أنها لن تمسهم إلا أيامًا معدودات

يقول [الله تعالى]:

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ﴾ [آل عمران: 24]

العلة هي الاستهانة، والجهل وَلَدَ الاستهانة. يقول [الله] لهم: أنتم هكذا ستدخلون النار، فقالوا له: وماذا يعني أن ندخل فنُشوى فيها قليلًا ثم نخرج؟ سنقعد فيها يومين أو ثلاثة، أو أربعة وبعد ذلك سنخرج لندخل الجنة!

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ﴾ [آل عمران: 24]

وهم متأكدون جدًّا، و"لن" هذه تأتي للتأكيد، أي لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات.

الفرق بين جمع المؤنث وجمع التكسير في الدلالة على القلة والكثرة وهول النار

وهذه "معدودات" يعني ماذا؟ جمع المؤنث يفيد القلة، بخلاف جمع التكسير فيفيد الكثرة. فـ"معدودات" يعني شيء بسيط هكذا: عدّوا واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة.

فهؤلاء جهلوا أشياء كثيرة هكذا، والجهل وَلَدَ عندهم استهانة. إن لفحة النار من بعيد على فترة خمسمائة سنة تحرق الإنسان، فتبقى هذه النار كيف تبدو؟! إن عذاب الله يدل على غضبه، ونحن لا نقدر على غضب الله.

﴿وَمَا قَدَرُوا ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِٓ﴾ [الأنعام: 91]

الافتراء على الله والكذب على النفس حتى يصدقها صاحبها

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 24]

ظل [الواحد منهم] يكذب على نفسه حتى صدّقها. علة موجودة في البشر وموجودة إلى يومنا هذا؛ يفضل الفرد منهم أن يأخذ كلمة من هنا وكلمة من هنا وكلمة من هنا، ويكوّن في ذهنه أي صورة كاذبة لا علاقة لها بالواقع.

ثم بعد ذلك يصدّق نفسه ويبني على هذا الافتراء كل حياته.

علة المثقفين الذين يبنون أفكارهم على أوهام لا على حقائق

وكثير من الذين يقولون عن أنفسهم "نحن مثقفون" تجد فيهم هذه العلة؛ قطعة من الصحيفة من هنا وقطعة من صحيفة أخرى هنا، ويسمع كلمة من هنا ويتخيل من عقله تخيلات أخرى، ويبني على هذه الصورة.

وإذا تكلمت معه وقلت له: يا أخي هذه أوهام لا حقائق لها، يقول لك: لا، أنا لست عالمًا، أنا مثقف، أنا لست يعني لست صاحب علم أكاديمي هكذا، أنا مثقف.

ماذا؟ أنت ضال، أنت لست مثقفًا، أنت ضال هكذا؛ لأنك تبني بأوهام وليس بحقائق، بأهواء ورغبات وتخيلات.

الفرق بين التفكير المستقيم المبني على حقائق والتفكير الخرافي المبني على أهواء

يقول لك: ما هو؟ الإنسان محترم ويجب أن تكون هناك حرية للفكر وحرية للتفكير، فأنا أفكر وأبني على فكري هذا، ويجب أن تكون هناك حرية.

طيب، اجعل فكرك نظيفًا، اجعل إنه يفكر مبنيًّا على حقائق وليس مبنيًّا على أوهام ورغبات وشهوات.

والفرق بين التفكير المستقيم والتفكير غير المستقيم أن هذا مبني على حقائق وعلى علم، وذاك مبني على هوى وعلى خيال. فهو عين العقلية الخرافية التي أنت نفسك تقول لا تستخدم العقل الخرافي، فأنت وقعت فيما حذّرت منه. انتبه، لا فائدة!

غرور الافتراء وبناء الفكر غير المستقيم على الأكاذيب والأوهام

﴿وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 24]

أي فيما يعتقدون، ما كانوا يكذبون من أوهام وأكاذيب يبنون عليها صرح فكرهم غير المستقيم.

﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: 25]

يوم حقيقي! إذن أي سيُفاجأ في يوم القيامة أن انتهت الإشارات وذهبت العبارات ولم تبقَ إلا ركيعات الواقع.

مفاجأة يوم القيامة وكشف الغطاء عمن كان يعيش في الأوهام

إذن وكل الفكر الذي يفكر فيه هذا المسكين؛ لأنه كان يتوهم أنه سيضيع ولن يبقى شيء، لا ريب فيه ولكن لا شيء لأنه يعيش فيه.

﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ [آل عمران: 25]

ما هو؟ لا ظلم اليوم وهم لا يُظلمون.

فماذا سيفعل في هذا الوقت؟ إذن سيكشف الله عنه غطاءه:

﴿فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: 22]

فانظر ما الذي حدث. ماذا سيفعل المسكين؟

من رتب أموره على العلم والحقائق لا يتوه في متاهات الأوهام

أما الذي رتّب الأمور ترتيبًا علميًّا واقعيًّا حقيقيًّا فإنه لا يتوه في هذه المتاهات. هذا كون يدل على وجود الله، وهذا كتاب ينطق بالحق وهو من عند الله، ودلائل الإعجاز فيه واضحة.

تجد الأطفال يحفظونه، تجد غير العرب يحفظونه، تجد يحفظونه وهم لا يفهمونه! ليس هناك نص مقدس هكذا حفظه ربنا وجعله الأخير الذي أيّده الله لنبيه ﷺ، أيّده تجده مؤيَّدًا.

تأييد الله لنبيه ببقاء أهل بيته وقبره الشريف إلى يوم الدين

فيقول [النبي ﷺ]:

«أنا أترك فيكم عترتي أهل بيتي»

فلما مات ﷺ، أهل بيتك جميعًا في حياتك، ما الذي يجعلك تتجرأ هكذا؟ إذ ليس هذا من عندي بل من عند ربنا وما لي شأن. فأهل بيته يملؤون الأرض.

عندما تأتون لزيارتي هنا في القبر، ومن الذي قال لك إن قبرك سيبقى؟ فربما تُقتل في معركة. فإذا بقبره يبقى ويظهر ويبقى ظاهرًا يعلمه المسلم وغير المسلم إلى يوم الدين.

الله! ما هذا؟ هذا مؤيَّد يا إخواننا.

وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.