سورة آل عمران | حـ 387 | 31 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح القرآن معيار الحب الإلهي في قوله تعالى "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله".
- •كلمة "قل" فعل أمر يبين العلاقة بين الآمر (الله) والمأمور (العبد).
- •الحب الحقيقي لله يحتاج إلى دليل، فليس مجرد دعوى أو ميل قلبي.
- •وضع الله مقاييس لحبه في القرآن: يحب المحسنين والمتوكلين، ولا يحب المفسدين والمسرفين.
- •المفتاح الأساسي لإثبات حب الله هو اتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
- •الاتباع يعني الطاعة، فالمحب لمن يحب مطيع.
- •ثمرة هذا الاتباع: محبة الله للعبد ومغفرة الذنوب.
- •يجب اتباع النبي في منهجه وتعامله مع الكون والإنسان والوحي والمعرفة.
- •هذا الاتباع يحول الإنسان إلى شخص تقي شفاف يحترم نفسه وأمام الخلق.
- •هذه الآية ترسم للمسلم طريق الحياة وتجيب على سؤال: ماذا نعمل في هذه الدنيا؟
مقدمة في تدبر كلمة قل في سورة آل عمران وعلاقة الأمر بالطاعة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: "قل"، فأول ما يقول "قل" فهو فعل أمر، وهناك ربٌّ يأمر وعبدٌ يطيع، وهناك صلة بين العبد وربه.
كل هذا [يُستفاد] أول ما تأتي "قل"؛ تأتي واقفًا هكذا، لا تقرأها مع التي بعدها، لا، بل أنت تقف مع القرآن كلمةً كلمة وحرفًا حرفًا.
فيقول ماذا؟ "قل"، هذا فعل أمر، إذن يوجد آمرٌ ويوجد مأمور. من الآمر؟ الله، [هذا] كلام الله. ومن المأمور؟ المخلوق المخاطَب.
آية محبة الله ومعيار الحب الحقيقي باتباع النبي صلى الله عليه وسلم
طيب، "قل" ماذا؟ إذن:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
فهنا وضع [الله سبحانه وتعالى] مقياسًا ومعيارًا للحب. هذا الحب قد يكون دعوى مجردة من دليل، ولا بد لكل قضية أن يكون لها دليل حتى تكون صادقة البرهان.
فعندما تقول إنني أحب الله، فأيُّ قضية تُخبر بها عن نفسك بحب الله، ما هو الحب هذا وما شكله؟ ميلٌ في القلب، عطفٌ في القلب، أي أن قلبك يميل إلى ربنا [سبحانه وتعالى]. نعم، أنا أحب ربنا.
شروط محبة الله في القرآن بين ما يحب وما لا يحب سبحانه
حسنًا، وما مقياس هذا الحب؟ كيف تحب ربنا؟ أتحب أن تنظر إليه؟
﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ [الأنعام: 103]
أتحب أن تكون في معيته؟ إنه سبحانه وتعالى وضع شروطًا حتى تكون في معيته، ووضّحها في القرآن بأن "الله يحب" و**"إن الله لا يحب"**.
مثلًا:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [القصص: 77]
فلا تكن مفسدًا وتقول إنك تحب ربك.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]
فيجب أن تكون محسنًا.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]
فيجب أن تتوكل على الله، وهكذا.
القرآن يبين ما يحبه الله وما لا يحبه ليقترب العبد ويبتعد
إذن عندما تمسك القرآن من أوله إلى آخره هكذا، تجد فيه أن الله يحب أو لا يحب.
﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
فالله لا يريد أن تكون مسرفًا، وإن كنت مسرفًا فإنك لا تحب ربك.
فالحب وعدم الحب الذي نسبه الله سبحانه وتعالى هنا في القرآن، إنما نسبه إليك أنت؛ حتى تبتعد عما لا يحب وتقترب مما يحب [سبحانه وتعالى].
مفتاح محبة الله هو اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به
جميع هذا كله، أعطني مفتاحًا. لماذا؟
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
إذا أردت أن تكون محبوبًا لله وأن تُظهر حبك لله، فعليك أن تتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
امتثالًا، أسوةً، اتباعًا.
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
إذن دعوى الحب دليلها الاتباع.
علامة الحب الحقيقي هي الطاعة فمن أحب أطاع ولم يعصِ
تعصي الإله وأنت تُظهر حبه، هذا لعمري في القياس بديع! لو كان حقًّا حبه لأطعته؛ إن المحب لمن يحب مطيع.
عندما تجد نفسك تحب أحدًا فقم بطاعته، سواء كانت هذه الطاعة صحيحة أم خاطئة، ولكن علامة الحب هي الطاعة؛ لأنك أصلًا لا تستطيع أن تكسر له كلامًا، ولا تستطيع أن تخالف له أمرًا، [هذا في] حبيبك من البشر.
حسنًا:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ﴾ [آل عمران: 31]
فقوموا بأداء مقياسه وهو الطاعة.
الطاعة المثلى تكون باتباع رسول الله إنسان الحضرة المقدسة
والطاعة كيف تكون الأمثل؟ من إنسان الحضرة المقدسة، إنسان عين الحضرة المقدسة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يعني الحضرة المقدسة التي لله، من هو الإنسان الذي عيّنها؟ من هو الذي لا تستطيع أن تراه [أي تراها] إلا به؟ سيدنا محمد [صلى الله عليه وسلم]، فاتبعوه.
إذن يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم. فهذا حب الله، يكفي هذا؟ ربنا يحبني وكفى؟ قال: لا، بل أنا سأعطيك أكثر من ذلك؛ أنك ستأتي أبيض يوم القيامة، معك الخير وعفى عنك في جانب الشر، فلم يبقَ معك إلا الخير.
ثمرات محبة الله من التقوى والشفافية ومغفرة الذنوب بالاتباع
وشكل هذه الأشياء ماذا؟ ولا شيء [من السيئات يبقى]! ستجعلك واحدًا تقيًّا شفافًا، لا تلتفّ ولا تدور، ولا تريد أن يكون بينك وبينها [أي المعاصي] أمدٌ بعيد، ولن تكذب ولن تفعل شيئًا على الإطلاق.
سيصبح الظاهر باطنًا، وستصبح إنسانًا محترمًا أمام نفسك وأمام الخلق، آتيًا أمام الدنيا كلها ومعك الحسنات.
والسيئات ذهبت أين؟ هذه السيئات أنا كنت قد فعلت بلايا! لا، ذهبت تمامًا من المغفرة. والمغفرة آتية من أين؟ من المحبة. والمحبة آتية من أين؟ من اتباع النبي صلى الله عليه وسلم.
اتباع النبي في مناهج حياته هو الطريق والجواب عن سؤال ماذا نعمل في الدنيا
هذه الحكاية [حكاية المحبة والاتباع] ترسم لنا الطريق، إذ إنها تجيب على سؤال كبير: ماذا نعمل في هذه الدنيا؟ ماذا تعمل في هذه الدنيا؟
اتبع النبي صلى الله عليه وسلم في مناهجه، في كيفية حياته، في تعامله مع الكون، مع الإنسان، مع الوحي، ومع المعرفة. انظر سيدنا رسول الله كان ماذا يفعل، وبعد ذلك عيشوه [أي عيشوا هذا المنهج].
لا تصدّق به فقط، أو تعرفه فقط، ولا تصدّق به بعد المعرفة [فحسب]، ولا تتمنّوا، لا، أنت تعيشه [عمليًّا في حياتك].
خاتمة الدرس بذكر المغفرة والرحمة واتباع سيدنا رسول الله
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم [هو القدوة في كل ذلك].
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31]
﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]
والله غفور رحيم.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
