سورة آل عمران | حـ 406 | 58 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشير النص للآية الكريمة "ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم" التي تصف القرآن وترسم منهجاً للمؤمنين.
- •الآيات تمثل المعجزات السابقة، والذكر الحكيم يعني المحكم الذي لا يأتيه الباطل.
- •وضع النص ثلاثة معايير للتأكد من أن القرآن من عند الله: الاعتراف، وعدم الاختلاف، والائتلاف.
- •المعيار الأول هو الاعتراف بأن الله يتكلم وينزل الكتب، فمن آمن بالعهد القديم والجديد يمكنه الإيمان بالعهد الأخير.
- •المعيار الثاني هو عدم الاختلاف، فالقرآن كالجملة الواحدة من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس.
- •رغم محاولات البعض إيجاد تناقضات في القرآن، لكن بفهم لغة العرب تزول هذه الشبهات.
- •أورد مثالاً على ذلك في قوله تعالى "لا أقسم" التي تعني تأكيد القسم وليس نفيه في لغة العرب.
- •لم يستطع أحد على مدى أربعة عشر قرناً أن يثبت وجود اختلاف في القرآن.
مقدمة الحلقة وتلاوة آية من سورة آل عمران تصف القرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى كلمة جامعة تصف الكتاب وتهدي المؤمنين إليه، وتطمئن القلوب وترسم المنهج. يقول ربنا:
﴿ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 58]
يا سبحان الله! آية جميلة جدًّا هذه الآية.
منهج التدبر والتوقف عند كل حرف في آيات القرآن الكريم
بعض الناس يقرؤونها هكذا:
﴿ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 58]
لا يتوقف عندها، وإنما نحن قلنا المنهج ما هو؟ أن تتوقف عند كل حرف، ليس كل كلمة، بل كل حرف.
فقلنا «ذلك» يعني مضمون ما سبق [من الآيات السابقة في سورة آل عمران]. «نتلوه» [أي نقرؤه عليك]. و**«الآيات»** معناها ما هو؟ جمع آية وهي المعجزة؛ سبع وخمسون آية سابقة كانت معجزات.
معنى الذكر الحكيم بين المحكم والحاكم ومعايير التأكد من كلام الله
وتحدثنا في حلقة ماضية عن كلمة «الذكر» و**«الحكيم». فـ«فعيل»** بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول؛ فإن كانت بمعنى مفعول فيكون «والذكر الحكيم» يعني الذكر المُحكَم الذي:
﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: 42]
وهنا وضعنا ثلاثة معايير للتأكد من أن هذا [القرآن] من كلام الله؛ لأن هذا هو محض الإيمان ومحك الإيمان هو القرآن: هل هذا من عند الله أم لا؟
المعيار الأول: الاعتراف. والثاني: عدم الاختلاف. والثالث: الائتلاف. ثلاثة معايير مهمة جميعها موزونة على بعضها البعض، لكي تحفظوها: الاعتراف، وعدم الاختلاف، والائتلاف.
المعيار الأول الاعتراف بأن الله أنزل كتبًا سماوية سابقة
فهل في الكلمة التي أمامي [هذه المعايير] أم لا؟ نبحث لنرى.
هل أنت معترف أولًا بأن هناك كلامًا من عند الله؟ نعم، معترف بموسى وعيسى. قلت له: نعم، موسى وعيسى هؤلاء أنبياؤنا، الأنبياء الذين لنا. قال: جميل، إذن هذا أول مقياس قبلته.
وهو يكون: إذا لم يكن هناك مانع من أن القرآن هذا معترف بأن الله يتكلم، ما دمت أنت معترف بأن الله أنزل من قبلُ العهد القديم [التوراة] والعهد الجديد [الإنجيل]، من بعد ذلك فأنت مستعد لأن تؤمن بأنه أنزل العهد الأخير [القرآن الكريم].
قبول إمكانية أن يكون القرآن كلام الله بناءً على معيار الاعتراف
إذا كان هذا العهد القديم وهذا العهد الجديد فهذا العهد الأخير، واضح. يمكن أن تكون أنت مستعدًّا بأن تقبل أن القرآن هذا أولًا معيار [الاعتراف] معك، امضِ.
أنت مؤمن بأن فيه كلامًا [من الله] أم لا يوجد كلام؟ قلت له: لا، مؤمن أن فيه إلهًا وفيه وحيًا وفيه رسلًا وفيه كتبًا. قال لي: جميل، إذن يمكن أن يكون هذا [القرآن] كلمة الله.
المعيار الثاني عدم الاختلاف في القرآن الكريم وتماسكه البنائي
هيا إذن للثانية: عدم الاختلاف.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
فهذا [القرآن] كالجملة الواحدة، تسمى الجملة البنائية الواحدة، مبنية من أول الباء في «بسم الله الرحمن الرحيم» التي في الفاتحة، حتى السين التي هي من «الناس» آخر القرآن، كالجملة الواحدة.
سبحان الله! ما فيه اختلاف. حاول المفكرون والمفسرون والملحدون والمؤمنون أن يجدوا هذا الاختلاف ألفًا وأربعمائة سنة، قوم لم يجدوا. وكلما بحث أحد عن شيء ليُخرج اختلافًا، أي قوم، نجد هذا الاختلاف [المزعوم] معجزة.
شبهة التناقض بين لا أقسم بهذا البلد وهذا البلد الأمين والرد عليها
قول الله، ما هذا؟ هذه معجزة. يقول لك أحدهم مثلًا: كيف لا يوجد خلاف؟ هذا انظر، هذا خلاف واضح. أي خير؟ قال:
﴿لَآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ [البلد: 1-2]
وفي آية أخرى تقول:
﴿وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلْأَمِينِ﴾ [التين: 3]
اختلاف هو؟ هنا نقول لن نُقسم وهنا نقول سنُقسم! فالشخص الواحد الذي لا يعرف عربية ولا إنجليزية ولا يعرف شيئًا على الإطلاق يقول: والله هذا حقيقة، «لا» وهنا ما يوجد «لا»، وبعد ذلك وأنت تقرأ القرآن هكذا ومتضايق، والله هذا في اختلاف أم ماذا يا أخي؟
بيان أن لا أقسم في لغة العرب تعني التأكيد لا النفي
قم تجد:
﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: 75-76]
فيكون «لا أقسم» هذا قسم أم ليس قسمًا؟ هذا يقول: ها هو «لا أقسم بمواقع النجوم»، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم. وأيضًا ما عظّمته؟ قال لك «لا أقسم»، هذا قسم عظيم!
كلمة «لا أقسم» عظيمة، ولكن عندما تصبح عالمًا بلغة العرب فإنك تقوم هكذا تتحدث وتقول: هذا مختلف مع هذا، وأنت لا تعرف كيف تضع كلمة بجانب كلمة أخرى! «لا أقسم» هذا يصبح قسمًا [في] لغة العرب هكذا؛ أنه ينفي من أجل التأكيد.
تفسير أسلوب النفي للتأكيد في العربية وعدم التناقض في القرآن
كما نحن في عموم كلامنا، يقول لك ماذا: «ما لك عليّ يمين»، ما لك عليّ يمين، يعني ماذا؟ يعني أقسم لك بأغلظ الأيمان! ليس معناها أنني لن أحلف لك. يقول لك: والله وما لك عليّ يمين، ها والله وما لك عليّ يمين، ما لك عليّ يمين. هذا تعبير معناه تأكيد اليمين.
ولذلك «لا أقسم بهذا البلد» يعني أقسم في هذا البلد. يبقى «وهذا البلد» لا يوجد فيه تناقض؛ فلا يوجد اختلاف ولا أحد استطاع أن يصنع الاختلاف.
وفي حلقة قادمة نتحدث عن الائتلاف [المعيار الثالث]. فالسلام عليكم.
