سورة آل عمران | حـ 383 | 28 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تعامل المسلمين مع غيرهم يرتكز على التعايش مع الحفاظ على الإيمان، حيث قال تعالى: "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين".
- •أمر الله بالتعاون مع جميع الناس في عمارة الأرض مع التمسك بالإيمان وعدم الانجرار لمعسكر الكفر.
- •الإسلام يجيز التعايش في الدنيا ويؤجل الحساب إلى يوم القيامة، دون أن يعني ذلك الرضا بالكفر.
- •قال تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم".
- •مسؤولية المسلم تقتصر على البلاغ والبيان دون إكراه أحد على الإيمان.
- •حرية الاختيار مكفولة: "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" مع التنبيه إلى وجود الحساب.
- •عند تعارض المصالح بين المؤمنين وغير المؤمنين، يقف المسلم مع الإيمان لأنه يدعو إلى التعمير والتزكية.
- •التعايش مع الجميع ضروري لتبليغ دعوة الله للعالمين.
افتتاح الدرس وتلاوة آية النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَىٰةً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 28]
هناك قسمان: قسم مؤمن وقسم كافر، وأمرنا ربنا أن نتعامل مع القسمين على حدٍّ سواء، وأن نتعاون جميعًا على عمارة الأرض وعلى مسيرة الحياة.
التمسك بالإيمان وعدم جعل العلاقة مع الكافرين سببًا في الانحراف عنه
وأن نتمسك بإيماننا، وأن لا نجعل العلاقة بيننا وبين الكافرين سببًا في نسيان الإيمان، ولا سببًا في أن نُستدرج من معسكر الإيمان إلى معسكر الكفر نُكثِّر به الكافرين.
فهناك فرق بين أنه قد أجاز لنا التعايش في الدنيا وأجَّل الحساب بيننا إلى مرجعنا إليه سبحانه وتعالى يوم القيامة، وبين أن نرضى بالكفر.
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ فَٱعْفُوا وَٱصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ * وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 109-110]
يعني اثبُت على إيمانك جيدًا.
حكم التعامل مع غير المسلمين المسالمين والأمر بالبر والقسط معهم
والذين أرادوا [ردّ المؤمنين عن إيمانهم] هؤلاء والناس، ماذا نفعل معهم؟ قال [الله تعالى]:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الممتحنة: 8]
طيب، إذن إذا كنا مأمورين أن نتعايش، ولكن مع إقرار الإيمان إيمانًا وإقرار الكفر كفرًا:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
لا تقف [عند هذا الجزء فقط]، أكمل الآية:
﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 29]
الحساب بيد الله وحده وليس للبشر سلطة الإكراه على الإيمان
لست أنا الذي سأُدخل النار، ولا لي دخلٌ بها، ولا أنا الذي خلقت النار ولا أعرف أين هي؛ ليست في بيتنا يعني، لسنا نحن الذين صنعناها، بل [هي] عند الله سبحانه وتعالى رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم.
لا أنا الذي أحاسبك ولا أُدخلك ولا أُخرجك، لكنني أقول: هكذا هناك حرية، ولكن انتبه أيضًا هناك حساب. لكن الحساب ليس بيدي؛ لأنه لا حول لي ولا قوة.
لكن:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
وأيضًا:
﴿وَمَا عَلَيْنَآ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ﴾ [يس: 17]
وقد بلَّغت، اللهم فاشهد.
منهج الإسلام في البيان والإعلان دون إكراه أحد على الإيمان
إذن فالقضية ليس فيها إفراط ولا تفريط؛ فيها بيان وإعلان:
﴿هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 138]
وليس فيها أنني سأدخل وأُكره أحدًا على الإيمان، ولكن فيها عرض وبيان للحقيقة.
إذا أخفيتُ هذه الحقيقة فأنا كاتمٌ لما أراد الله أن يصل إلى أذهان الناس، وإذا لم أُخفِها وتحولتُ أنا كفيلًا ووكيلًا وحفيظًا على الناس فقد خرجتُ عن حدودي وعمّا خلقني الله عليه.
[كأن يقول أحدهم:] ستُسلم أم موتك! ستؤمن أم أذبحك! فما أنا إذن [إلا قد] خرجتُ عمّا أذن الله لي به؛ إنما [عليّ] البيان [فقط].
بيان أركان الإيمان مع التأكيد على الحرية المقرونة بالحساب والعبادة كما أراد الله
على فكرة يا إخواننا، فيه ربنا [سبحانه وتعالى]، وفي إسلام، وفي يوم آخر، وفي جنة، وفي نار، وفي كذا وكذا. ونقعد نقول ما قاله لنا ربنا [من البيان والتبليغ].
وعلى فكرة في حرية، وعلى فكرة هناك حساب مع الحرية؛ هي ليست حرية [مطلقة] وسيتركنا كل واحد يعبد كما يشاء، لا! كما أراد [الله]؛ فإن الله يريد منك أن تعبده كما أراد لا كما تريد.
وقصة إبليس معروفة؛ يسجد لربنا لكن لا يريد أن يسجد لآدم، لا يبقى [مقبولًا عند الله]؛ لأنه عصى [أمر الله].
معنى الولاء للمؤمنين وأنه تنظيم للمعاش لا تعصب ضد الآخرين
إذا كان الأمر كذلك، فلمّا يقول ربنا:
﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 28]
فلا يأتيني أحد من داخل المسلمين أو من خارجهم ويقول لي: انظر كيف تتعصبون! هذا ليس تعصبًا، بل هو غاية في تنظيم المعاش.
فالمؤمن يتعايش مع المؤمن ومع غير المؤمن بنص القرآن وبفعل النبي وسيرته صلى الله عليه وسلم. إنما عندما يحدث نزاع في مصالح الدنيا وتقسيماتها بين المؤمنين وبين غير المؤمنين، فإننا دائمًا نقف مع الإيمان؛ لأنه هو الذي يدعو إلى التعمير لا إلى التدمير، ولأنه هو الذي يدعو إلى العبادة لا إلى الكفران، ولأنه هو الذي يدعو إلى التزكية والتطهر لا إلى الدنس.
الوقوف مع المؤمنين عند النزاع مع التعايش مع العالمين وتبليغ الدعوة
ولذلك:
﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 28]
يعني عندما يكون هناك نزاع بينهما [بين المؤمنين والكافرين] فإننا سنقف مع المؤمنين، وإن كنا نتعايش مع العالمين؛ لأننا قد أُمرنا أن نبلِّغ العالمين الدعوة عن الله ورسوله.
فاللهم اجعلنا ممن يحملون دعوتك إليهم، نَصِلُ بهم كما أردتَ يا أرحم الراحمين.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
