سورة آل عمران | حـ 434 | 87 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 434 | 87 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • يتحدث النص عن آية في سورة آل عمران توضح جزاء من ظلموا أنفسهم وكفروا بعد إيمانهم، حيث عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
  • هؤلاء الناس مطرودون من عالم الشهادة ومن عالم الغيب، ولا يبقى لهم دين ولا دنيا لخروجهم عن منهج الله.
  • الآية تقدم ثلاثة أمور: بيان للحقيقة، ومنع من الدخول في دائرة من كفروا، ودفع للعودة للإيمان والتوبة.
  • من فهم هذه الحقيقة أدرك أن ما سعى إليه من تحصيل الدنيا لن يتحقق، بل سيحصل الكدر والطرد.
  • ينبغي قراءة القرآن بإدراك أنه ليس فقط لبيان الحقائق، بل هو رافع للحجب، مانع من الضلال، دافع إلى الخير.
  • عندما يقول "والله غفور رحيم" فهذا ليس مجرد حقيقة، بل دافع للتوبة ومانع من المعصية.
  • الحياء من الله واجب لأنه سبحانه يقدم الخير والرحمة.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

افتتاح الدرس وبيان جزاء الذين كفروا بعد إيمانهم من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى في شأن أولئك الذين ظلموا أنفسهم وكفروا بعد إيمانهم، واتخذوا التفكير المعوج مكان التفكير المستقيم؛ أولئك الناس الذين فعلوا هكذا وأربكوا أنفسهم وضلوا على نفسها، جزاؤهم:

﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [آل عمران: 87]

لعنة الله سبحانه وتعالى، الله خارج الأكوان خالق الأكوان. الملائكة من عالم الغيب، لا يراها الإنسان ولا يستحضرها ولا يتفاهم معها، تنزل بالوحي، تنزل بالحفظ، لكنها من عالم الغيب. والناس أجمعين من عالم الشهادة.

المطرودون من عالم الشهادة والغيب لا يبقى لهم دين ولا دنيا

إذن فهؤلاء [الذين كفروا بعد إيمانهم] مطرودون من عالم الشهادة بلعن الناس لهم، ومن عالم الغيب القريب [بلعن الملائكة]، ومن عالم غيب الغيب سبحانه وتعالى.

ما هو [غيب الغيب]؟ ربنا يسمونه غيب الغيب؛ لأنه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، فيسمونه غيب الغيب. فالغيب والشهادة تطرد هؤلاء.

إذن ماذا يبقى لهم؟ يبقى لا دين ولا دنيا، لا دنيا ولا آخرة، لا روح ولا جسد؛ لماذا؟ لخروجهم عن منهج الله سبحانه وتعالى.

جزاء التفكير المنحرف المعوج وبيان أن الآية تبين الحقيقة وتمنع من الخطأ

أولئك جزاؤهم يكون هذا في مقابل التفكير المنحرف المعوج غير المستقيم، الذي ارتد عن الإيمان، والذي ظلم نفسه، والذي خرج عن حد الحياة:

﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [آل عمران: 87]

وهذه الآية تبيّن لي الحقيقة وتمنعني من الخطأ وتدفعني إلى الصواب؛ ثلاثة أمور. هذه ليست بيان حقيقة فقط؛ "أولئك جزاؤهم" يعطينا خبرًا، يعني هو خبر وخبر صادق وهو بيان للحقيقة.

الآية مانعة من الكفر ودافعة للتوبة لمن كفر بعد إيمانه

لكن في الوقت نفسه أنا عندما أقرؤها أحافظ على إيماني، فهي مانعة تمنعني من الدخول في دائرة أولئك الذين كفروا بعد إيمانهم.

وهي دافعة لأولئك الذين فعلوا هذا [الكفر بعد الإيمان] أن يتوبوا إلى الله. كيف هي دافعة؟ نقول لهم: لماذا فعلت هذا؟ يقول: فعلته من أجل تحصيل الدنيا. نقول له: حسنًا، لكن هذا لا تُحصَّل به الدنيا، بل سيحصل به كدر، وسيحصل به طرد، وسيحصل به تخالف واختلاف بينك وبين الكون، فأين السعادة التي تحصّلها أو المنفعة أو المصلحة؟ ما من فائدة.

فتح الله أبواب التوبة حتى لمن أتى بقراب الأرض ذنوبًا

إذا فهم [الإنسان] هذه الحقيقة، ولعل الله أن يفتح عليه بفهمه إذا كان قد كتب عليه قبول توبته. والله قد فتح لنا أبواب التوبة حتى لو فعل الإنسان ما فعل:

قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يا ابن آدم، لو جئتني بقُراب الأرض ذنوبًا ثم جئتني تائبًا لغفرت لك»

فإذا أراد الله ذلك [التوبة] نوَّر بصيرة هذا [العبد]، فكانت الآية التي تبيّن له أنه حتى ما سعى إليه من تحصيل الدنيا لا يحصّله، فيكون ذلك دافعًا له لأن يعود إلى الإيمان. فهذه الآية تبيّن حقيقة وهي مانعة دافعة.

الآية القرآنية رافعة مانعة دافعة وكيفية تأمل آيات الحقائق

وأحيانًا يحبون أن يجعلوا الأمر متوازنًا، فتبيين هذه الحقائق يصبح بمثابة رفع الحجاب عن الحقائق، فيقول: الآية رافعةٌ مانعةٌ دافعةٌ.

وليتك تحفظ هذه الثلاثة لكي تتأمل بها كل آية ذكرت الحقائق؛ فهي لا تذكر الحقيقة فحسب، بل تدفعك إلى شيء، أو تمنعك من شيء، أو تدفعك وتمنعك معًا، فتكون رافعةً مانعةً دافعةً.

اقرأ القرآن هكذا، لا بد عليك أن تقرأ القرآن وأنت منتبه إلى أنه ليس فقط لبيان الحقائق.

تدبر قوله تعالى والله غفور رحيم بين الرفع والدفع والمنع

عندما يقول لك [الله تعالى]: "والله غفور رحيم"، لا تأخذها هكذا لأن هذه حقيقة، وما هي إلا حقيقة رفعت عنا غشاوة أن الله منتقم فقط، فقال لي: لا، إن الله غفور، الله رحيم. إياك أن تعتقد أن الله ينتقم فقط هكذا وجبار فقط، بل إن في ذلك جمالًا.

هذه رافعة. حسنًا، يعني أنا "الله غفور رحيم" يعني تُب، فهي تدفعك إلى التوبة. "أنا الله غفور رحيم" تعني استحِ، واحذر أن تقترف الذنوب؛ لأنه سبحانه واسع غفور رحيم يقدم لك كل هذا الخير، فكن على حياء من الله.

الحياء من الله وختام الدرس بالدعاء والتوديع

والحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، وهكذا يجب عليك أن تكون حييًّا مع الله، تكون هذه [الآية] رافعة دافعة مانعة.

فاللهم افتح علينا فتوح العارفين بك، ويسر لنا أمورنا يا أرحم الراحمين. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.