سورة آل عمران | حـ 441 | 96-97 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 441 | 96-97 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • الكعبة المشرفة هي أول بيت وضع للناس كما جاء في سورة آل عمران، وهي هدى للعالمين وليس للمؤمنين فقط.
  • أثبتت الدراسات العلمية أن الكعبة تقع في مركز تقاطع الدوائر المغناطيسية الأربع للأرض، مما يؤكد وصفها بأم القرى.
  • ورد في القرآن اسم "بكة" بدلاً من "مكة"، وهذا من إعجاز القرآن، حيث إن العرب تبدل الميم باء والعكس.
  • كلمة "بكة" مشتقة من البكاء لأن الناس يبكون ويتضرعون لله عندها.
  • ذُكر وادي البكاء في الكتب المقدسة السابقة، وكان هذا سبباً في إسلام العالم مارتن لينجز (أبو بكر سراج الدين).
  • عبارة "وضع للناس" تحتمل معاني عدة، سواء كان الواضع آدم أو إبراهيم أو الملائكة.
  • الكعبة مباركة وفيها هداية بمعنى التوفيق والإرشاد والدلالة للعالمين.
  • امتن الله على المسلمين بهدايتهم إلى البيت الحرام ويوم الجمعة وليلة القدر.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية أول بيت وضع للناس في سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [آل عمران: 96]

لم يقل للمؤمنين، قال: وهدى للعالمين.

الكعبة المشرفة مركز الأرض المغناطيسي وسرة الأرض وأم القرى

فيه آيات بينات؛ إذن هذا [البيت الحرام] مكان مميز، ولذلك عندما قاس الدكتور حسين كمال الدين المغناطيسية ودوائرها في الأرض، وجد أن الكعبة في تقاطع الدوائر الأربع المغناطيسية وخارجة عنها.

ورسم الخرائط ليبين أن هذا ما يمكن أن نسميه بسُرَّة الأرض؛ أي مكان وسط في مكان مركزي، بحيث أنه يُعَدُّ أم القرى كما وصف الله مكة بذلك.

اشتقاق اسم بكة من البكاء وعلاقته بخشوع الأنبياء والأولياء

والعرب تتبدل الميم في أول الكلمة باءً، وتتبدل الباء ميمًا؛ فمكة تُسمى بكة. وبكة قريبة من اشتقاق البكاء؛ لأن الناس خاصة الأتقياء والأولياء والأنبياء يبكون ويطلبون من الله المغفرة والعفو والتوفيق والسداد والنصرة، ويخشعون لله رب العالمين.

ومن هنا سُمِّي هذا المكان بكة.

ذكر بكة في الكتاب المقدس ووادي البكاء وإسلام مارتن لينجز

وهناك كلمة في الكتاب المقدس "بكة"، وعندما كُتبت بالإنجليزية فإنها حكت حكاية صوتية؛ لأنهم لم يدركوا ما معنى بكة وكتبوها هكذا: بكة.

ولذلك فإن هذا الوصف لوادي البكاء وهو بكة، وأنه المكان الذي سوف يخرج منه النبي المنتظر، جعل واحدًا من كبار العلماء يدخل في الإسلام وهو مارتن لينجز (أبو بكر سراج الدين).

وكان أبو بكر سراج الدين رئيسًا للمتحف بلندن، وكان مختصًّا بهذه الدراسات، فأسلم وكتب كتابه الممتع "محمد رسول الله". ولما كتبه نال به جائزة هنا في مصر في سنة كذا وثمانين من المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية؛ لأنه من خير ما كُتب عن النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وقال فيه أنه أسلم من أجل مكة هذه، من أحد أسباب إسلامه وانبهاره: أين بكة؟

إعجاز القرآن في استخدام لفظ بكة بدلاً من مكة في الآية الكريمة

وهذا أمر معجز للقرآن؛ أنه يترك مكة وقد ذكرها مرات ويقول بكة. فُهِمَت أن:

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: 96]

تعرف، لو لم يقلها [بكة] لقلنا يجب أن نؤوِّلها، نقول: انتبه، أصل هذه مكة والعرب تبدل الميم باءً، وتستطيع أن تقول بكة فهي بكة.

وبعد ذلك يقول لك: والله هنا مكة، لا! فها هو أتى بها بالصريح المريح أن أول بيت وُضع للناس الذي ببكة؛ يبقى تصريحًا إذن.

دلالة اسم أحمد ومحمد في الكتب السماوية واشتقاقهما من الحمد

وهذا يدلنا على شيء آخر سيتعلق باسم النبي المصطفى؛ أنه ورد في الكتب أحمد على صيغة أفعل التفضيل، فذكره الله في كتابه أحمد وهو محمد.

فالله هو محمد [أي: الذي سمَّاه]، وهو أصله من حَمْد، ومحمد هذا من حَمْد، فهذا من حَمْد وهذا من حَمْد.

إذ يلفت انتباهنا [القرآن الكريم] إلى ما سيحدث في اللغات [من تبادل الأسماء والصيغ].

من الذي وضع البيت الحرام وآراء العلماء في ذلك بين الملائكة وآدم وإبراهيم

أن أول بيت وُضع للناس، أحدهم يقول لك: وُضع للناس، هذه الملائكة التي وضعته. لماذا؟ أصله "وُضع" مبني للمجهول، ووُضع للناس يعني أن الناس لم يقوموا به. هل يوجد أحد آخر غير الناس ليكون بناه؟ أم أن آخر يقول: لا، إن سيدنا آدم هو الذي وضع هذا البيت فوضعه للناس.

إذن يجب أن يكون الناس موجودين لكي نضع لهم بيتًا يعبدون فيه الله، خاصة وأن الصلوات الخمس لم تُفرض إلا على المسلمين، وكان البيت يُحاط به لا يُدخل فيه.

أي أن هناك فرقًا بين العبادة عند اليهود والعبادة عند المسلمين بتطور الشرائع ونسخ بعضها لبعض:

﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ﴾ [البقرة: 106]

وهناك أناس يقولون لك: أبدًا، هذا سيدنا إبراهيم هو الذي بناه بنص القرآن:

﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِـمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ﴾ [البقرة: 127]

قال [آخرون]: لا، هو ربنا بيقول وُضع؛ يكون إذا أخفى الواضع فسواء كانوا الملائكة أو آدم أو إبراهيم فهذا لا يضرنا، ولا يريد [الله] أن نلتفت إلى هذا المعنى.

حكمة إخفاء الواضع للبيت الحرام والهداية إلى خصائص الأمة المسلمة

وإنما يريد [الله سبحانه وتعالى] بالخفاء أن نلتفت إلى معنى آخر، وهو أن له [البيت الحرام] الأولوية، وأننا هُدينا إليه، واستوجب هذا أن نحمد الله:

﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ﴾ [الأعراف: 43]

فقد هُدينا إلى البيت، وهُدينا إلى يوم الجمعة، وهُدينا إلى ساعة الإجابة، وهُدينا هو الشكل [أي: بنفس الطريقة] إلى ليلة القدر. يعني في خصائص كذلك ربنا أكرمنا بها، وأسرار الحمد لله.

أنواع الهداية في القرآن وبركة البيت الحرام للعالمين وليس للمسلمين فقط

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: 96]

فيه بركة وهدى، وهذا يسمونها هداية المكان. ففي هداية بمعنى خلق التوفيق في قلب العبد لا يكون إلا لله:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

وهناك الهداية بمعنى الإرشاد والدلالة، وهناك الهداية بمعنى المكان؛ فالمكان من هدايته وبركته للعالمين وليس للمسلمين فقط، له الخصوصية.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.