سورة آل عمران | حـ 440 | 96 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 440 | 96 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يتعجب الناس من وحدة المسلمين رغم اختلاف مشاربهم ومذاهبهم، فيظهرون كأنهم على قلب رجل واحد.
  • سر هذه الوحدة هو أن الله جمعهم على رب واحد ونبي واحد هو محمد صلى الله عليه وسلم، وختم به الرسالة والنبوة.
  • وحدهم أيضاً على كتاب واحد تولى الله حفظه، بلغة عربية واضحة، فإذا ترجمت معانيه نرجع للأصل عند الاختلاف.
  • جمعهم على شعائر موحدة: صيام شهر واحد، واستقبال قبلة واحدة، والحج إلى بيت الله الحرام.
  • جعل الله المسلمين أمة واحدة عبر التاريخ من آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم.
  • هذه الوحدة من فعل الله وليست من صنع البشر، فالمسلمون مقصرون في تحقيق هذه الوحدة رغم أمر الله بالاعتصام بحبله.
  • البيت العتيق ببكة هو أول بيت وضع للناس، مبارك وهدى للعالمين، مقدس بالذكر والعبادة عبر العصور.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة حول وحدة المسلمين الفريدة التي يتعجب منها الناس

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يجمع شمل المسلمين على وحدة فريدة وحيدة عجيبة غريبة، يتعجب منها الناس، يتعجبون أن المسلمين على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم وكأنهم يظهرون أمام العالم على قلب رجل واحد؛ مهما تشتت بهم السبل وتفرقت بهم الأقطار.

تساؤل غير المسلمين عن سر وحدة الإسلام وعدم تحوله إلى ديانات شتى

ويسألوننا: ما سر ذلك؟ لماذا لم يتحول الإسلام إلى ديانات شتى بعقائد مختلفة؟ ولماذا كلما أردنا -هم يقولون- أن نجعله إسلامات شعرنا أنه في الحقيقة إسلام واحد، وأنكم تتكلمون بلسان واحد؟ فما السر في ذلك؟

فقلنا لهم: إن السر في ذلك هو أن الله قد جمعنا على رب واحد، وأنه قد جمعنا على نبي واحد، وأنه ختم به الرسالة والنبوة؛ فلم تتشتت الأمة من بعده فيؤمن بالنبي الجديد بعضهم ويكفر بعضهم، فتتشتت الأمة ويكفر بعضها بعضًا.

وحدة الأمة من خلال كتاب واحد محفوظ بلغة واضحة

وأنه [سبحانه وتعالى] وحّدنا كما وحّدنا في العقيدة على كتاب واحد تولّى هو حفظه، فكان كتابًا واحدًا مرجوعًا إليه بلغة واضحة هي اللغة العربية؛ فإذا ما تُرجمت معانيه إلى اللغات الأخرى فهو الأصل، فإذا حصل خلل في تلك الترجمات فإننا نرجع إلى الأصل؛ لأنه هو الذي يردنا إلى الصواب وهو محفوظ بحفظ الله له.

وإنما استُعملنا لأن نكون حلقات في طريق هذا الكتاب المبارك، والحمد لله رب العالمين.

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

وحدة الأمة في الصيام والقبلة والحج عبر التاريخ

وأيضًا أنه [سبحانه وتعالى] جمعنا على صيام شهر واحد، وأنه جمعنا لنستقبل قبلة واحدة نكون حولها كالدائرة، ويظهر ذلك عندما نذهب إلى بيت الله الحرام فنقف في دوائر.

وأنه سبحانه وتعالى قد جعل لنا قبلة واحدة حيثما أدركتنا الصلاة نتوجه إليها ولو منفردين، وأنه قد جعل الحج إلى هذه القبلة إلى بيت الله الحرام.

ونأخذ نقول لهم هكذا حتى صارت الأمة أمة واحدة، بل أنه جعل الأمة أمة واحدة عبر التاريخ من لدن آدم إلى خاتمهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

﴿وَإِنَّ هَـٰذِهِٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾ [المؤمنون: 52]

مفهوم الأمة الواحدة نتاج التوحيد واعتراف غير المسلمين بذلك

إذن مفهوم الأمة هو النتاج لذلك التوحيد، ومن أجل ذلك ترون المسلمين على إسلام واحد وإن تشتت بهم الأقطار وإن اختلفت بهم المذاهب.

قالوا: لك حق، هذه الحكاية هذه غير موجودة عند غيرهم. هذا في غيركم ما عندهم كتاب [محفوظ]، وفي غيركم اختلفوا في الكتاب واختلفوا في ربنا [في صفات الله تعالى]، غيركم يقولون إن النبوة مستمرة وغيركم يقولون إنه لا. هذا أنتم لكم حق، إذن أنتم عباقرة أنكم استطعتم فعل ذلك.

الفضل في وحدة الأمة لله وحده لا لفعل البشر

وهل نحن الذين فعلنا شيئًا؟ نحن ما فعلنا شيئًا، هذا لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا الله هو الذي عمل وفعل، نحن ما فعلنا شيئًا.

هذا نحن مساكين، هذا نحن الذين فعلناه ضد هذا [ضد الوحدة]، الذي فعلناه هذا الله الذي فعل هذا [الوحدة]، وإنما الذي فعلناه ضد هذا [أي التفرق والاختلاف].

قالوا [أي قال الله تعالى]:

﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]

فمع ذلك تفرقنا ولم نعتصم وتفرقنا؛ دولًا وسياسات ومذاهب.

اتباع الأهواء سبب تفرق الأمة رغم الأمر بالوحدة

وقال [الله] لنا إنه يجب علينا أن نكون على قلب رجل واحد، فأخذتنا الأهواء هنا وهناك.

﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ [الجاثية: 23]

فما هذه الحكاية؟ نحن مساكين، نحن ندعو إلى وحدة الأمة وإلى آخره.

[فيقول غير المسلمين:] أنتم طامعون جدًا يا أخي، نحن نراكم من الخارج هكذا أنكم أمة واحدة وأنكم كذا وكذا. يا رب، الحمد لله! لكن بالمناسبة هذا ليس من فعلنا، نحن نريد أن يُطبَّق فعلنا هذا [أي الوحدة الحقيقية].

أول بيت وضع للناس في مكة تمهيدًا لوحدة الأمة

فربنا يقول من أجل أن يمهد لهذه الوحدة:

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [آل عمران: 96]

أول بيت وضع للناس، بما أنه أول بيت وضع للناس فيبقى هو البيت العتيق، وإذا كان أول بيت وضع للناس فهو البيت الأصيل.

فضل الصلاة في المسجد العتيق وأثر الذكر على المكان

يأتي [هذا المعنى] ليقول لك: أنت عندما تكون في مدينة، بعض العلماء هكذا يقول لك: قم ابحث عن أقدم مسجد فيها لكي تصلي فيه الجمعة، المسجد العتيق، أقدم مسجد فيها هو الذي تصلي فيه الجمعة أساسًا. يعني الله! أشعر بشيء ما.

قال: لأن هذا المسجد العتيق هذا فيه ثواب، يعني الناس من قديم الزمان وهم يسبحون فيه ويذكرون فيه؛ فالأرض تتأثر والجدران وكل مكان يتأثر بالذكر والعبادة.

الفرق بين مكان ذكر الله فيه عبر العصور ومكان يخلو من الذكر

وهناك فرق بين مكان ذُكر الله فيه على مر العصور وكر الدهور وبين مكان يخلو من الذكر.

ولذلك عندما تدخل الكعبة تشعر بأن هناك شيئًا غريبًا لا تستطيع التعبير عنها، ولكن فيها مهابة وفيها جلال وفيها ذكر وفيها كون يسبح بحمد ربه.

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [آل عمران: 96]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.