سورة آل عمران | حـ 470 | 122 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تشير الآية في سورة آل عمران "إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما" إلى معركة بدر، لكنها درس للمؤمنين إلى يوم الدين.
- •الوحدة نعمة من الله، والفرقة من عذابه، فالله يمتن علينا بتأليف القلوب لنصبح إخوانًا رغم اختلاف الأسباب فكرية أو سياسية أو اجتماعية.
- •الخلاف الصادق بين المؤمنين لا يؤدي للفشل ما دام كلاهما يبتغي وجه الله ويتحلى بالإخلاص.
- •الآية تعلمنا آداب الحوار وأهدافه، وتدعونا للمناقشة بسعة صدر ولين جانب مع الإخوان.
- •القرآن كتاب هداية وليس كتاب تاريخ، يرشدنا كيف نتعامل مع الخلاف الذي هو من طبيعة البشر.
- •الناصح يجب أن يكون رفيقًا والمنصوح رقيقًا يقبل النصيحة ويناقش بإيجابية.
- •مفتاح الحوار الناجح هو التوكل على الله مع الثقة به أكثر من الثقة بما في أيدينا.
- •التوكل يقتضي العزم والأخذ بالأسباب، فنربط الدابة ونتوكل، كما فعل النبي في أحد حين لبس درعين.
مقدمة تلاوة آية من سورة آل عمران في وصف معركة بدر
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يصف معركة بدر وما حدث فيها، يقول:
﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 122]
الوحدة نعمة من الله والفرقة عذاب ونقمة على المؤمنين
من منّة الله علينا أن يؤلف بين قلوبنا وأن يوحّد بيننا، ومن عذاب الله أن نرى الفرقة فيما بيننا وأن يكره أحدنا أخاه ويكره بعضنا بعضًا.
﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ [الحشر: 14]
هذه من نقمة الله، ومن نعمة الله أنه يؤلف بين قلوبنا فنصبح بنعمته إخوانًا.
ولذلك فهو [الله سبحانه وتعالى] دائمًا يمتنّ علينا أنه قد أزال أسباب هذه الفروق؛ فكرية، سياسية، عقائدية، طائفية، كانت أسباب هذه الفرقة اجتماعية، طبقية، أيّ شيء.
فـالوحدة قيمة؛ لأنها نعمة، لأنها منّة من الله بها علينا. يعني عرفنا أن الوحدة نعمة، لماذا؟ لأن الله منّ بها علينا، والله لا يمنّ إلا بالنعم، لن يمنّ علينا بشيء من العذاب أو الغضب والعياذ بالله تعالى؛ لكي نرى أنه قد منّ علينا بشيء نفهم أن هذا الشيء نعمة.
معنى همّت طائفتان منكم أن تفشلا وأن الفشل نقص لا خير فيه
﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: 122]، ليس من منكم طائفة من عندكم وطائفة من العدو، لا، هذه منكم [أي من المسلمين أنفسهم].
﴿أَن تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: 122]، والفشل يعني هذا نقص أم الفشل هذا يعني رحمة وخير وشيء طيب؟ لا، هذا نقص.
فـهمّت يعني كادت، أي يقول [الله سبحانه وتعالى] من أفعال المقاربة: كادت، أي كانت ستفشل، على وشك الفشل.
معنى والله وليهما وأن الخلاف الصادق لا يضر المؤمنين
﴿وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: 122]، كلمة والله وليهما [تعني أنه] إذا كان الخلاف فيما بينهما خلافًا صادقًا، فالله وليّ هؤلاء ووليّ هؤلاء.
إذا الخلاف كان خلاف ماذا؟ كان خلافًا صادقًا، وما دام خلافًا صادقًا إذن لا نخاف. إذا هذا خلاف بيني وبينك وكلانا يريد وجه الله فلنبقَ لا نخاف، ولن يُفشلنا أبدًا ربنا ما دام فيه إخلاص.
آداب الحوار وأهدافه المستفادة من آية همت طائفتان منكم
فماذا تقول الآية؟ كأنها تأمرنا بـالمناقشة، وتأمرنا بـسعة الصدر في المناقشة، وتأمرنا بـالإخلاص في المناقشة، وتأمرنا بـلين الجانب مع إخواننا في المناقشة.
ما رأيك في أن الآية هذه فيها آداب الحوار وأهداف الحوار؟
﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: 122]، فيها آداب الحوار وأهداف الحوار، وفيها دعوة إلى الحوار والنقاش حتى نصل إلى أحسن الوجوه.
القرآن كتاب هداية لا كتاب تاريخ ودروسه للمؤمنين إلى يوم الدين
لا نربط هذا [الدرس المستفاد من الآية] بـبدر وحدها، لا، هذا كان في بدر ولكنه درس للمؤمنين ليوم الدين. صحيح أنه كان في بدر وتذهب لتقرأ التفاصيل ماذا قالوا وماذا فعلوا وهكذا، لا، ولكن انتبه لهذا.
هو [القرآن الكريم] يقول لك ماذا تفعل أنت غدًا، وليس يروي لك التاريخ، وإلا لكان هنا أحضر محضر الجلسة التي حدثت وما قالوا؟ وما أعادوا؟ وما اختلفوا فيه؟
ولكان هذا الكتاب بدلًا من أن يكون القرآن هكذا لكان كتابًا ضخمًا للتاريخ. لا، هذا ليس كتاب تاريخ، هذا كتاب هداية، هذا يقول لك إنك ماذا تعمل [في حياتك].
الخلاف من شأن البشر والإخلاص شرطه وحديث إنما الأعمال بالنيات
الخلاف من شأن البشر، ولكن لا بدّ من الإخلاص.
وفي هذا يلخّص رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر كله فيقول:
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»
ويقول:
قال رسول الله ﷺ: «الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»
الدين النصيحة، أي أنه سيصبح هناك ناصح ومنصوح ونصيحة وغير ذلك. والناصح يجب أن يكون رفيقًا، والمنصوح يجب أن يكون رقيقًا ويقبل النصيحة ويستمع ويناقش.
ووضع لنا [رسول الله ﷺ] مفتاح هذه القضية كلها، وهي قضية حوار المؤمنين للوصول بالنصيحة إلى كل خير.
معنى التوكل على الله وأنه ثقة وعزم وأخذ بالأسباب
ماذا نفعل؟ التوكل على الله.
﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 122]
أي إذا كانوا مؤمنين حقًّا فليتوكلوا على الله. والتوكل على الله ما هو؟ عبارة عن ماذا؟
أولًا: الثقة بما في يد الله أكثر من الثقة بما في يدك. قد يكون في يدك القليل فلا تخف، ولا تجعل قراراتك كلها تنتج عن الخوف، اجعل قراراتك تنتج عن الثقة بالله.
نحن مؤمنون ولا نريد إلا الخير ومخلصون لله، فتوكل على الله.
﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 122]
لا تقعد مترددًا.
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 159]
فـالتوكل على الله من مقتضياته أن تكون عازمًا؛ تعزم وتتوكل على الله.
التوكل على الله يقتضي الأخذ بالأسباب كما فعل النبي في أحد
فإذا كانت الثقة بالله والعزم على الفعل والتوكل على الله سبحانه وتعالى، [فإن التوكل] يقتضي الأخذ بالأسباب.
فإن النبي [صلى الله عليه وسلم] لما خرج إلى أُحد خالف بين درعين واتخذ الأسباب وتوكل على الله.
كما في الحديث وإن كان ضعيفًا، لما سأله رجل:
«أتركها وأتوكل أم أعقلها؟» [يعني الدابة حتى لا تمشي ولا تهرب] وأتوكل؟ قال: «اعقلها وتوكل»
حديث ضعيف لكن أيضًا يعطينا فكرة عنه [عن مبدأ الأخذ بالأسباب مع التوكل].
﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 122]
والذي [نكمله في] لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
