سورة آل عمران | حـ 485 | 139 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يأمر الله المؤمنين في سورة آل عمران بقوله: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين"، ناهيًا عن الوهن والحزن.
- •الوهن هو الضعف وضد الهمة، ويجوز فيه لغتان: الوَهْن والوَهَن لأن حرف العين من حروف الحلق الستة.
- •سبب الوهن كما جاء في الحديث النبوي هو "حب الدنيا وكراهية الموت".
- •المؤمن الذي يستحضر إيمانه يشعر بالعلو لأنه مع الحق، فلا يصيبه الضعف أو الإحباط.
- •استحضار الإيمان يجعل المؤمن يدرك أن أعماله في سبيل الله، فلا ينتظر نتيجة فورية.
- •المؤمن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فيؤجر، وإن أصابته ضراء صبر فيؤجر.
- •حالة العلو للمؤمن مرتبطة باستحضار الإيمان، فالإسلام يعلو ولا يُعلى عليه.
- •المؤمن يبقى راضيًا في السراء والضراء، فلا يطغى ولا يتبرم، بل يشكر ويصبر.
تفسير آية النهي عن الوهن والحزن في سورة آل عمران وتوجيهها للمؤمنين
مع كتاب الله، وفي سورة آل عمران يقول لنا ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]
هذه الآية بغض النظر عن سبب نزولها موجهة إليك وإلى جماعة المؤمنين إلى يوم الدين. إذن هي آية تأمرنا ألا يصيبنا الوهن وألا يصيبنا الحزن؛ لأن الوهن هو ضد الهمة، ولأن الحزن هو ضد الدافع الداخلي والسرور والحبور الذي يدفع الإنسان للعمل.
فإذا كان الإنسان مهمومًا وواهنًا ضعيفًا، والوهن هو الضعف، وفيه لغتان: بالسكون والفتح، يعني الوَهْن والوَهَن.
القاعدة الصرفية في جواز السكون والفتح في عين الفعل إذا كانت حرف حلق
والقاعدة في العربية أن كل ما كان على وزن فَعَل وعينه حرف من حروف الحلق الستة جاز فيه السكون والفتح، أفاده ابن يونس.
يقول: إذا استطعت أن تقول نَهْر ونَهَر، استطعت أن تقول بَغْل وبَغَل، استطعت أن تقول شَغْب وشَغَب، استطعت أن تقول وَهْن ووَهَن، تقدر كذلك.
لماذا؟ قال: على وزن فَعَل والعين الخاصة به حرف من حروف الحلق الستة. ما الحروف الستة هذه؟ الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء. في التحفة [تحفة الأطفال] يقول: همز فهاء ثم عين حاء مهملتان يعني ليس لهما نقط، ثم غين خاء.
حروف الحلق الستة وحكم الإظهار ومعنى الوهن في الحديث النبوي
هذه هي حروف الحلق، فالأول الإظهار قبل أحرف الحلق ستة رُتِّبت في التعريف: همزة فهاء ثم عين حاء مهملتان، ثم غين خاء.
فالوَهْن هذا أو الوَهَن هو الضعف، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«ويُلقى في قلوبكم الوَهْن» أو «الوَهَن»، قالوا: وما الوَهْن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت»
فسبب الوهن هو كذلك [حب الدنيا وكراهية الموت]، الوهن يعني ما ليس فيه همة.
نهي الله عن الوهن والحزن وبيان علو المؤمن بإيمانه وتمسكه بالحق
فربنا سبحانه وتعالى ينهانا عما يؤدي إلى عدم الهمة، من التهاون، من الحزن، من الوهن وهكذا.
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: 139]
وأنت عندما تتأمل هذه الحياة الدنيا فترى نفسك مؤمنًا بالله وبرسوله وبكتابه وبشرعه، فأنت الذي معك الحق، والذي معه الحق دائمًا يكون قويًا. والذي معه الحق وإن خالفه الناس هو الذي يقدم لهم الخير.
ولذلك لو أطبق الناس على الشرع وكنت آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر داعيًا إلى الله وإلى الخير، فأنت الأعلى، واليد العليا خير من اليد السفلى.
الشعور بالعلو مرتبط باستحضار الإيمان وغيابه يجعل الإنسان يقاس بالمعايير الدنيوية
هذا الشعور [بالعلو] متى تشعر به؟ عندما تشعر وتعرف وتعتقد بإيمانك. أما إذا نسيت هذا الإيمان ونسيت هذه الحالة والقضايا التي تتعلق به وكنت فردًا من أفراد البشر، آه حينئذ فإن من كان أقوى منك كان أفضل منك، ومن كان أكثر منك كان أفضل منك، ومن كان أغنى منك كان أفضل منك، ومن كان أكثر صحة منك كان أحسن منك، وهكذا.
ولكن متى تكون تشعر بالعلو؟ تكون كذلك إذا ما شعرت بالإيمان. فالله سبحانه وتعالى يذكرنا بحالة نحن فيها، قد نلتفت إليها عند استحضار الإيمان، وقد تغيب عنا عند خفاء الإيمان وعدم استحضاره، حتى مع وجوده. ما [المهم ليس] أنت مؤمن، بل [هل أنت] مستحضر إيمانك أم غير مستحضر إيمانك؟
استحضار الإيمان يمنع الوهن والحزن ويجعل المؤمن في حالة علو دائم
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]
يعني إن تذكرتم هذه الحقيقة وكنتم مؤمنين مستحضرين لإيمانكم فستستحضرون في الوقت نفسه العلو، وحينئذ لا يصيبكم ضعف الهمة ولا التهاون ولا الوهن ولا الحزن ولا الإحباط.
لأنكم ستؤدون هذا كله في سبيل الله، وما كان في سبيل الله لا تنتظر معه نتيجة؛ فإذا نصرك الله حمدت الله، وإذا لم ينصرك الله فقد أجّل النصرة وأنا ما لي [ليس عليّ إلا البلاغ]، لست عليهم بمسيطر، فنفعل ما أمرنا الله سبحانه وتعالى به.
عجيب أمر المؤمن فهو مأجور في السراء بالشكر وفي الضراء بالصبر
ولذلك عجيب أمر المؤمن أن أمره كله له خير: إن أصابته سراء شكر؛ لأنه مؤمن يعرف أن هذا من عند الله، وإن أصابته ضراء صبر؛ لأنه مؤمن ويعرف أن هذا من عند الله.
لا يختلف معه [حاله] لا في السراء راضٍ يطغى وينسى فضل الله عليه، ولا في الضراء راضٍ ينسى ويتبرم ويخرج من حدوده أبدًا. في السراء يشكر فيؤجر، وفي الضراء يصبر فيؤجر.
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]
﴿فَٱصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَىٰهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: 5-7]
ارتباط العلو وعدم الوهن باستحضار حقيقة الإيمان والإسلام يعلو ولا يُعلى عليه
يبقى كل هذا إنما هو مرتبط باستحضار الإيمان:
﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]
يعني إن كنتم مستحضرين لحقيقتكم في الإيمان، فلا تهنوا ولا تحزنوا؛ لأنكم في حالة العلو، والإسلام يعلو ولا يُعلى عليه.
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
