سورة آل عمران | حـ 508 | 152 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشير القرآن في سورة آل عمران إلى الذين تولوا يوم التقى الجمعان بأن الشيطان استزلهم ببعض ما كسبوا من معاصٍ.
- •الإنسان مجبول على الخوف، لكنه يستطيع التغلب عليه بالتدريب والتربية واستحضار المعاني.
- •الشيطان يستزل العبد بسبب تقصيره ومعصيته، مما يوجب على المسلم التمسك بالطاعة وسد منافذ الشيطان.
- •سيدنا عمر كان قوياً في جسده وإيمانه، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه عن مزاحمة الناس في الطواف.
- •سيدنا أبو ذر كان ضعيفاً، ونصحه النبي بعدم تولي الإمارة.
- •الصحابة ليسوا جميعاً على مستوى واحد، فمنهم الخلفاء الراشدون ومنهم من ينسى نفسه.
- •الإسلام يعلمنا ألا نأخذ الناس بذنوبهم وتقصيرهم.
- •الله يحب الحلم والأناة، وهما خصلتان مهمتان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- •المسلم مطالب بالتحقق والتثبت في أموره كلها وهذه مسؤولية يُسأل عنها أمام الله.
مقدمة تفسير آية التولي يوم التقى الجمعان من سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: 155]
فإذا كان هناك التقاء للجمعين ففيه مشقة وفيه كلفة ورهبة، وفيه تعرض للموت. الإنسان مجبول على الخوف، لكنه يستطيع أن يتغلب على خوفه بالتدريب والتربية واستحضار المعاني.
فبعضهم لم يفعل هذا [أي لم يتدرب على مواجهة الخوف]، فلما رأى هذا البلاء تولى [أي أدبر عن القتال].
نسبة الاستزلال إلى الشيطان وتنبيه المؤمنين إلى تقصيرهم
وتربيةً لأولئك [الذين تولوا يوم أحد] وجذبًا لهم إلى حظيرة الطاعة وإلى حظيرة الإيمان وإلى حظيرة المجاهدين مرة أخرى، نسب الأمر ابتداءً إلى الشيطان:
﴿إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ﴾ [آل عمران: 155]
لكنه نبّههم أن الشيطان عندما استزلهم وتسلط عليهم، لم يكن ذلك إلا من تقصيرهم ومعصيتهم، وهم الذين شجعوه لكي يستزلهم.
ولذلك يجب على الإنسان أن يتمسك بالطاعة، وأن يبتعد عن المعصية، وأن يسد منافذ الشيطان؛ لأن الشيطان لا يتسلط إلا على من فتح له الباب بالمعصية والتقصير.
قوة سيدنا عمر بن الخطاب في الجاهلية والإسلام وخوف الشيطان منه
إن الشيطان يخاف منك يا عمر! سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]؛ لأنه كان جادًّا، كان جادًّا في الجاهلية وكان جادًّا في الإسلام.
ولذلك دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ينصر الإسلام به أو بقوته. وكان قويًّا في كل شيء؛ كان قويًّا في جسده، وكان قويًّا في إيمانه.
ولذلك نهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزاحم الناس في الطواف.
وصف هيئة سيدنا عمر بن الخطاب الجسدية وطوله الفارع
سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] طوله ثلاثة أمتار تقريبًا؛ لأنه كان إذا مشى رُئي من وراء حائط كأنه يركب فرسًا وهو ماشٍ على رجليه، فيبقى يرونه هكذا كأنه راكب فرسًا.
فقِيسَ الفرسُ وأُضيفت إلى ركوب الإنسان، ستجد أنه ثلاثة أمتار. كان سيدنا عمر أصلع، وكان فيه حَوَلٌ هكذا في عينيه، وكان أيسر أي أعسر؛ يعني يكتب بيده اليمين وباليد اليسرى، ويحارب بيده اليمين وباليد اليسرى.
شدة سيدنا عمر وحماسه وكيف كان النبي يهدئه ويسيطر عليه
تخيل إذن واحدًا هكذا طوله ثلاثة أمتار وأصلع وفيه حَوَل، وهكذا هو [يقول]: اتركني أقتل هذا المنافق يا رسول الله! سيمسكونه ويقيدونه هكذا هو.
وسيدنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يهدئه، هكذا هو يهدئ سيدنا عمر ويقول له: إنه يحب الله ورسوله، دع عنك هذه.
ما هذا؟ سيدنا رسول الله، هذا سيد الخلق الذي يسيطر على واحد مثل عمر! هذا يعني أنه مسيطر عليه؛ هو يقول له: لا يا عمر، لا. فيسكت، وكان [سيدنا عمر] واقفًا عند حدود الله.
نهي النبي لعمر عن مزاحمة الناس في الطواف وضعف أبي ذر الجسدي
وهو [سيدنا عمر] بدأ يطوف، سيدنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال له: لا تزاحم الناس فإنك قوي.
في حين أن آخرين لم يكونوا بهذا الجسم ولا بهذه القوة. فسيدنا أبو ذر [الغفاري رضي الله عنه] كان ضعيفًا، كان لا يأكل كثيرًا، واكتفى بماء زمزم مدة وهو يبحث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان ضعيفًا هكذا.
فقال: يا رسول الله ولِّني إمارة. فقال: يا أبا ذر، إن فيك ضعفًا، لا تتولَّ هذه الأمور، ابتعد عنها.
نصيحة النبي لأبي ذر بأنه سيعيش ويموت ويبعث وحيدًا
ولذلك سيدنا أبو ذر [الغفاري رضي الله عنه] بعد أن نصحه النبي [صلى الله عليه وسلم]، وإيمانًا منه، قام يأخذ بعضه وينكمش في نفسه. كذلك فيقول له [النبي صلى الله عليه وسلم]: تعيش وحيدًا، وتموت وحيدًا، وتُبعث يوم القيامة وحيدًا.
وقد كان صلى الله عليه وسلم [صادقًا فيما أخبر]. هذا صحابي رضي الله عنه [يعني أبا ذر]، وهذا صحابي رضي الله عنه [يعني عمر بن الخطاب].
الدرس المستفاد من تفاوت الصحابة وعدم مؤاخذة الناس بذنوبهم
الذين أخطأوا [يوم أحد] هؤلاء صحابة رضي الله عنهم، وهؤلاء صحابة الذين لم يخطئوا وذهبوا وجاهدوا رضي الله عنهم. فهو [القرآن الكريم] يعلمنا: كل هؤلاء صحابة كرام.
يعلموننا أن لا نأخذ الناس بذنوبهم وتقصيرهم. من ذا الذي لم يسئ قط؟ ومن له الحسنى فقط؟
رد عليه [أي على هذا السؤال]، قال له: ماذا؟ محمد الهادي الذي عليه جبريل هبط عليه الصلاة والسلام. ولكن أما كل الناس فكل أحد يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر الشريف [رسول الله صلى الله عليه وسلم]. الإسلام علمنا هكذا.
تعظيم الصحابة مع التفريق بين مراتبهم ومكانة الخلفاء الراشدين
قالوا: نحن ملاحظون أيضًا في مناهج التعليم الخاصة بكم أنكم تعظمون الصحابة جدًّا. قلنا لهم: نعم، ونقول: سيدنا أبو ذر، وسيدنا عمر، وسيدنا نُعيمان، وسيدنا المغيرة بن شعبة، وسيدنا أبو بكر، وسيدنا علي.
ولكن ليسوا جميعًا على مستوى واحد؛ فمن بينهم الخلفاء الراشدون الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ»
ومن بينهم من ينسى نفسه [فيقع في الخطأ]، ولكن الله قد رضي عنه.
عفو الله عن الصحابة الذين تولوا يوم أحد وأهمية التخلق بأخلاق الله
ومن هنا يقول ربنا [سبحانه وتعالى]:
﴿وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: 155]
هذا من الذي يقول هذا لنا؟ لا أنت ولا حتى سيد الخلق صلى الله عليه وسلم؛ هذا مباشرة تتلوه في المحاريب وأنت تقرأ رغمًا عنك، ها! بإملاءٍ لا تعرف تحذفه، لا تعرف تعمل اختصارًا وتحذفه، هكذا لا.
﴿وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: 155]
لماذا؟ يعلمك؛ يقول لك: تخلَّق بأخلاق الله، والله غفور.
معنى اقتران صفة الحلم بالمغفرة في الآية والحث على التحلي بالحلم والأناة
انظر إلى الثانية [أي الصفة الثانية في الآية]:
﴿ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 155]
وليس رحيم؛ موجود "غفور رحيم" [في آيات أخرى]، ولكن هذه لا، غفور حليم. فكن حليمًا!
قال رسول الله ﷺ: «فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة»
إذن ربنا يحب ماذا؟ ورسوله صلى الله عليه وسلم يحب ماذا؟ يحب أن يجعلك حليمًا هكذا. وماذا أيضًا؟ وثانيًا [الأناة].
فقدنا في كثير من كتاباتنا الحلم والأناة، لا تجد أناة!
أهمية الحلم والأناة في الإعلام والصحافة والمسؤولية أمام الله
تعجّل! الحق [يُنشر غدًا]! الصحافة غدًا ستخرج، الحق اكتب لك. طيب، وضعت مقالة، طيب، وفي يوم القيامة ماذا ستفعل يا جميل؟ ماذا ستفعل؟
ما أنا آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر! طيب، وأين الحلم والأناة؟ أنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر لزومًا، هذه من صفات الأمة، إنما بالحلم والأناة، أين بحثك؟
لماذا لم تتعب نفسك ونزلت لتتحقق كي تعمل التحقيق الصحفي جميلًا وجيدًا؟ ها هو البرنامج التلفزيوني جميل ومناسب.
فكل هذه مسؤولية نُسأل أمام الله عنها. والله غفور رحيم.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
