سورة آل عمران | حـ 502 | 152 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يذكر الله المؤمنين في سورة آل عمران بأيام إنقاذهم من أعدائهم، وأنه يفعل ذلك دائماً عند التجائهم إليه.
- •يقول تعالى: "ولقد صدقكم الله وعده" بصيغة الماضي للتأكيد على تحقق وعده ونصره لعباده.
- •يشير إلى قوله: "إذ تحسونهم بإذنه" أي تقاتلونهم وتصيبونهم وتنتصرون عليهم بإذن الله.
- •يوضح ما حدث في غزوة أُحد حين تمكن المسلمون من هزيمة المشركين في بداية المعركة.
- •يبين الفرق بين الخطأ والخطيئة؛ فالخطأ يكون عن غير قصد ولا يؤاخذ عليه، والخطيئة تكون عن نية وقصد.
- •يشرح أسباب تحول النصر إلى هزيمة: الفشل والتنازع في الأمر والعصيان.
- •يفسر التنازع بأنه اختلاف بين من التزم بأوامر الرسول ومن خالف.
- •يبين أن انشغال بعض المسلمين بالدنيا والغنيمة على حساب الآخرة كان سبباً من أسباب ما حدث.
- •يذكر أن الله صرفهم عن أعدائهم ليبتليهم ويختبرهم.
مقدمة تفسير آيات سورة آل عمران في وعد الله للمؤمنين ونصرتهم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وكأنه يعدّ المؤمنين إلى يوم الدين، ويذكّرهم بأيام الله التي أنقذهم فيها من عدوهم، وأن الله سبحانه وتعالى يفعل ذلك بالمؤمنين دائمًا كلما التجأوا إليه.
حتى إذا ما صدر منهم الخطأ أو وقعوا في الخطيئة، فإن الله سبحانه وتعالى يغفر لمن يشاء ويهدي من يشاء ويعذّب من يشاء ويعفو عن من يشاء؛ لأن الملك بيده سبحانه وتعالى.
دلالة صيغة الماضي في قوله تعالى ولقد صدقكم الله وعده على التحقق
فيقول [الله سبحانه وتعالى]:
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُٓ﴾ [آل عمران: 152]
وهذا يذكّرها الله سبحانه وتعالى على أساس أنها حقيقة، أن الله سبحانه وتعالى يصدق وعده، فيذكّرها بصيغة الماضي: "ولقد صدقكم".
والماضي محقّق، والحاضر مشاهَد، والمستقبل مقدَّر. يبقى إذا ما كان في الماضي كان محقّقًا، وما كان في المستقبل كان مقدَّرًا، وما كان في الحاضر كان معيشًا مشاهَدًا.
وهو هنا يتكلم بصيغة الماضي: "ولقد صدقكم الله"، إذن فهو أمر محقّق وليس مقدَّرًا. صدقكم الله وعده، يعني الله سبحانه وتعالى صدق وعده ونصر عبده وأعزّ جنده وهزم الأحزاب وحده.
معنى تحسونهم بإذنه ودلالتها على النصر المحسوس في غزوة أحد
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: 152]
و"إذ" هنا تعني "حيث"، أتذكرون عندما؟ كأنه يقول: ماذا؟ أتذكرون عندما تحسّونهم بإذنه؟
"تحسّونهم" من حسَّ، جذرها "حسَّ" من الحسّ. و"تحسّونهم" معناها أنكم توقعون بسلاحكم فيهم فيحسّوا وخز السلاح. تحسّونهم بإذنه، أي تقاتلونهم بإذنه، وتحرّكونهم من أماكنهم بإذنه، وتنتصرون عليهم بإذنه، وتصدّون طغيانهم وعدوانهم بإذنه.
كل ذلك في "تحسّونهم بإذنه"، جاءت من الحسّ، أي أن النصرة حينئذٍ كانت أمرًا محسوسًا؛ لأنه يردّ على شيء محسوس من الاصطدام ومن التحريك ومن الغلبة.
بداية الفشل والتنازع والعصيان بعد تحقق النصر في غزوة أحد
وهكذا كانت المعركة [في غزوة أحد]، أنهم استطاعوا أن يحرّكوا المشركين حتى فرّوا وولّوا الأدبار في أُحد.
﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَـٰزَعْتُمْ﴾ [آل عمران: 152]
بدأنا الخطأ وبدأنا الخطيئة.
ما الفرق بين الخطأ والخطيئة؟
الخطأ يكون عن غير قصد، والخطيئة تكون عن نية وقصد. فالخطأ لا نؤاخَذ عليه، لكنه لا يترتّب عليه تحصيل النتيجة [المرجوّة]. أنت وقعت في خطأ في الامتحان فأجبت إجابة غير صحيحة، فتفشل وتسقط. فشلتَ، إذن الفشل نتيجة عن ماذا؟ عن خطأ.
التنازع بين الصحابة في أحد بين الخطأ والخطيئة والموافقة والمخالفة
و"تنازعتم في الأمر"، التنازع قد يكون خطأً وقد يكون خطيئة. فإذا كان النزاع من أجل الالتزام بالأوامر — ما هو؟ هناك أناس قالوا ماذا؟ نقف هنا مثل ما قال سيدنا رسول الله ﷺ، والآخرون قالوا لا نقف.
فإن كان [التنازع] موافقًا [لأمر النبي ﷺ] فيكون سليمًا، وإذا كان مخالفًا عن قصد فيكون خطأً أو خطيئة، عن غير قصد فيكون خطأً.
وإذا تنازعتم فيكون النزاع هنا: النزاع من المحقّ ومن المخطئ؟ الموافق محقّ والمخالف مخطئ. والخطأ هذا قد يكون عن قصد فيكون خطيئة، أو عن غير قصد فيكون خطأً.
التنازع يؤدي إلى الفشل والهزيمة والعصيان خطيئة مقصودة
فيبقى التنازع وهو من كذا جهة تنازع، فيبقى من أكثر من جهة، وهو يؤدّي إلى عدم النجاح ويؤدي إلى المصيبة والهزيمة والفشل.
﴿وَعَصَيْتُم﴾ [آل عمران: 152]
آه، هذه خطيئة. إذن "عصيتم" فيبقى واضحة تمامًا، إذن أنه يوجد مخالفة وهذه المخالفة عن قصد، فهي ماذا؟ خطيئة.
إذن: "فشلتم" هذه خطأ، "تنازعتم" خطأ أو خطيئة، "عصيتم" خطيئة. إذن الثلاثة موجودون: خطأ، خطأ وخطيئة، خطيئة.
الفشل والعصيان بعد أن أراهم الله ما يحبون من النصر على المشركين
﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 152]
الذي هو ماذا؟ أنكم تحسّونهم بإذنه، ترونهم وهم يجرون، ترونهم وهم ينهزمون منكم.
﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا﴾ [آل عمران: 152]
حكاية الآخرة هذه ليست واردة في ذهنه، يحسب كيف ستُقسم هذه الغنيمة وكيف سنستفيد من هذا الانتصار غدًا. حسنًا وبعد ذلك أين دنياي؟ سأعود بالأطفال ومعي ماذا؟ هكذا يعني.
الفرق بين من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة والابتلاء بالصرف عنهم
منكم من يريد الدنيا، حسنًا وماذا عن الآخرة؟ ليست واردة، ليست معه، إنه لا يفكّر فيها. هو لا ينكرها، لا، ولكن لا يفكّر فيها.
﴿وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْـَٔاخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152]
ولكن الآخرين [الذين يريدون الآخرة] لا يفكّرون أيضًا في الدنيا التي تسيطر عليهم، هي التفكير [في] الآخرة.
﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: 152]
فهذا ما سنقوله في المرة القادمة، فإلى لقاء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
