سورة آل عمران | حـ 520 | 164 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح النص آية "لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم" مبيناً أن كون الرسول من أنفسهم أفاد طمأنينتهم وإمكانية اتباعه.
- •كونه بشراً مثلهم يجعله قدوة يمكن الاقتداء بها، مع عصمته التي تحقق كمال الامتثال لأوامر الله.
- •قوله "من أنفسهم" وليس "منهم" يشير إلى أنه كأنفسهم، قابل للأسوة والاقتداء، وهذه نعمة عظيمة.
- •وجود الرسول بينهم يمثل بوابة مفتوحة إلى الله يأتي منها النور والرحمة.
- •من نعم الله على المؤمنين أيضاً: تلاوة الرسول لآيات الله عليهم، وهي برامج ومناهج حياة راقية.
- •يزكي الرسول المؤمنين أي يطهرهم ويربيهم على الأخلاق الحسنة ويعلمهم.
- •التزكية مقدمة على التعليم، فهو يعلمهم الكتاب والحكمة بعد أن يزكيهم، وقد كانوا قبله في ضلال مبين.
مقدمة تفسير آية المنّة ببعثة الرسول من سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: 164]
من أنفسهم، ليس غريبًا عنهم، بل هو منهم.
حكمة بعث الرسول من جنس البشر وطمأنة القلوب بذلك
قال المفسرون لمّا قال الله ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: طَمْأَنَ قلوبهم؛ لأنه كان من الممكن أن يُرسل إليهم ملكًا فيفزعون منه ويقولون: كيف سنتبعه؟ إنه ملك!
إذن، كونه من أنفسهم أفادت الطمأنينة، وأفادت إمكانية الامتثال.
بشرية النبي ﷺ وكونه أسوة حسنة يمكن الاقتداء بها
سيد الخلق صلى الله عليه وسلم كان له عينان، كان له أذنان، كان يسمع، كان هناك دم يجري في دورته الدموية، كان بشرًا.
﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [الكهف: 110]
فمن هنا تأتي القدرة على جعله أسوة حسنة صلى الله عليه وسلم.
عصمة النبي ﷺ بالوحي وكمال الامتثال في اتباعه
يوحى إليه [صلى الله عليه وسلم]، ومن هنا تأتي العصمة له بما يحقق كمال الامتثال. فأنت تتبعه وأنت مطمئن أنه أدَّى ما يرضى عنه ربنا، إنه المثال، وليس علينا أن نتساءل: هل يرضى [الله عنه] أم لا يرضى.
نعم، هذا كله في سائر البشر؛ كل أحد يؤخذ منه ويُرد عليه إلا صاحب هذا القبر الشريف - ويشير الإمام مالك إلى قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - فهو معصوم.
نعمة الإسلام أعظم النعم عند الصحابة رضوان الله عليهم
﴿لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 164]
وهذه نعمة تستوجب الشكر، فنحن نشكر ونقول: الحمد لله الذي جعلنا مسلمين.
وكانت الصحابة تقول: وليس هناك نعمة بعد نعمة الإسلام. هكذا دائمًا، يعني كأنها بين قوسين كانت هذه جملة اعتراضية، يعني نعمة الإسلام هذه لا يعلوها نعمة أولى أو أحلى أو أعلى أو أغلى من كذا وكذا وكذا وكذا، كثير في كلامهم.
وهو [المعنى] يقول إن ربنا أنعم علينا بنعمة كبيرة. كثيرًا ما هو ربما مال، ربما زوجة صالحة، ربما علم، ربما كذا وكذا وليكن، إنما بعد نعمة الإسلام.
الفرق بين قوله تعالى منهم ومن أنفسهم في بعثة الرسول
﴿لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: 164]
بماذا [منّ الله عليهم]؟ حيث - إذ - يعني - حيث إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم.
طيب، لماذا لم يقل «منهم» هنا؟ ما الفرق يعني عندما يقول «منهم» و«من أنفسهم»؟
«منهم» أي ربما من جنسهم، ربما من قبيلتهم، ربما من مكانهم، منهم. لكن «من أنفسهم» أي يلفتهم إلى أنه كأنفسهم، هو مثلهم. وعندما نقول مثلهم فهذا يعني أنه قابل للأسوة والامتثال.
نعمة وجود الرسول ﷺ بوابة مفتوحة على الله تعالى
بعث فيهم رسولًا من أنفسهم، هذه وحدها نعمة كبيرة؛ كل شخص يريد أن يسأل سؤالًا يذهب إلى سيدنا رسول الله يسأله فيجيب، إذا كان فيها وحي، أو يسأل ربه فيوحي إليه.
ما هذا؟ إنها بوابة مفتوحة على ربنا، بوابة مفتوحة. هذه نعمة البوابة المفتوحة.
ماذا يأتي منها؟ النور يأتي منها، الهواء يأتي منها، الرحمة تأتي منها، الخير يأتي منها، مفتوحة، بوابة مفتوحة.
والبوابة الموصدة حتى الخير لو جاء لا يستطيع الدخول، لا يوجد نور ولا يوجد نسيم عليل يدخل عليه. فسيدنا رسول الله هو بوابة الخير إلى الله.
نعمة تلاوة آيات الله وتبليغها للناس على يد الرسول ﷺ
﴿إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: 164]
هذه لوحدها نعمة أن يكون وسطهم.
خذ النعمة الثانية: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾، ليس فقط أنه ينتظر أحدًا يأتي ليسأله فيجيبه، لا، بل يبلغهم آيات الله. وآيات الله هذه آية هدى للمتقين، هذه برامج حياة ومناهج حياة غالية عالية راقية فائقة.
وبعد ذلك، هذه نعمة بحد ذاتها؛ يتلو عليهم آياته. ربنا يسمح لنا أن نتكلم كلامه [سبحانه وتعالى]، هذه مِنّة، هذه شيء غريب أن نتكلم الكلام الخاص به. نعم، تتكلم الكلام الخاص به، هو الله.
عظمة نعمة تلاوة القرآن الكريم وتعظيم المسلمين له
يعني عندما أقول:
﴿لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: 164]
أنا هكذا قرأت الكلام بالقائم في ذاته تعالى، هكذا هو، ومسموح لي.
نعم، هذه نعمة كبيرة جدًا، ولذلك عظّم المسلمون القرآن تعظيمًا شديدًا جدًا، يعظمونه جدًا؛ لأنه نعمة من نعم الله. هذه النقطة الثانية [من نعم بعثة الرسول ﷺ].
نعمة التزكية والتربية والتعليم في بعثة النبي ﷺ
والنقطة الثالثة: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾، يربيهم على ماذا؟ على الأخلاق الحسنة، يربيهم وليس تاركًا لهم هكذا ينشأون كيفما ينشأون؛ الرحماني هو رحماني والشيطاني هو شيطاني. لا، إنه يربيهم للرحمن ويعلمهم كيف يبتعدون عن الشيطان.
يزكيهم أي يطهرهم. هذا رقم أربعة: ﴿وَيُعَلِّمُهُمْ﴾ أيضًا، فيكون تربية وتعليم؛ يزكيهم ويعلمهم، فتكون التربية قبل ماذا؟ قبل التعليم.
﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]
حسنًا، ماذا يعلمهم؟ الكتاب والحكمة.
﴿وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: 164]
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
