سورة آل عمران | حـ 543 | 186 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يبين القرآن في قوله تعالى "لتبلون في أموالكم وأنفسكم" أن الابتلاء سنة كونية لا مفر منها، فالدنيا متقلبة بين الفرح والترح.
- •الابتلاء يشمل المال بذهابه وإتيانه، والنفس بمعانيها المختلفة: الجسد والروح والعقل.
- •هناك ابتلاء أشد وهو الأذى من الآخرين، "ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا".
- •المسلم مطالب بالانفتاح على جميع الناس، كما قال علي لمالك الأشتر: "فإن الناس صنفان، أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".
- •البشرية تنقسم إلى أمة الإجابة (المسلمون) وأمة الدعوة (بقية البشر)، والرسول ﷺ مرسل للعالمين كافة.
- •أمام أذى الآخرين، المطلوب ليس الغضب أو الانتقام، بل الصبر والتقوى "وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور".
مقدمة تلاوة سورة آل عمران وتعليم حقائق الحياة وسنن الابتلاء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلمنا حقائق الحياة وسنته في كونه؛ حتى نستطيع أن نحسن التعامل معها فنفوز بسعادة الدارين:
﴿لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ﴾ [آل عمران: 186]
تأكيد حتمية البلاء في الدنيا بالنكد والمصائب والمنغصات
و ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ هنا مؤكدة عدة تأكيدات؛ فهي باللام، واللام هنا للتأكيد. إذن البلاء سيحدث، وهكذا شأن الدنيا: فيها من النكد، وفيها من الكدر، وفيها من المصائب، وفيها من المنغصات ما نعرفه جميعًا؛ لأنه يخالط حياتنا.
مرة فرح ومرة ترح، مرة سراء ومرة ضراء.
﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ ثم بالنون المؤكدة، نون اسمها نون التوكيد، إذن مرة أخرى يبقى البلاء مرتين [مؤكدًا]. هكذا الدنيا، كذلك ليست خالصة لأحد.
الدنيا لا تخلص لأحد فكل إنسان يعاني من نقص ما
تجد واحدًا معه الصحة وليس يجد عيشًا، معه المال وليس يجد عافية، ما من دواء؛ يعني هو معه المال وفي مرض. تجد معه السلطان وليس سعيدًا في حياته ولا في عمله، وإن كان سعيدًا فيكون مهمومًا بشأن الأولاد.
وهكذا أبدًا، شيء غريب!
إنكار الإنسان لحقيقة الدنيا ونسيانه للموت والمصائب
وهنا يأتي [الإشكال]؛ لأن الإنسان يرفض هذه الحالة [حالة البلاء والنقص]، هذا نريد أن نبقى سعداء وفرحين، فلدينا إنكار.
تتصور أننا ننسى الموت، لا نتذكره أبدًا! ونحن ذاهبون نعزي، وبعد العزاء ماذا نفعل؟ موعد آخر لا يتعلق بالموت ولا بالذكرى، ولا نحن هنا يعني ذاهبون نؤدي واجبًا هكذا طيب.
والنسيان هذا في أي شيء؟ إنه يؤكد [أنك تنسى] لأنك ترفض أن تكون الدنيا هكذا، ولكنها ستكون دنيا هكذا، سنتها هكذا.
البلاء في الأموال والأنفس بمعانيها المتعددة من جسد وروح وعقل
وفي أي مجال إذن؟ قال [الله تعالى]:
﴿فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ﴾ [آل عمران: 186]
فالمال يأتي ويذهب، يأتي ويذهب، مرة في الأعلى ومرة لا تجده. في بلاء في المال.
﴿وَأَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 186]
وانظر إلى الكلمة: أنفسكم، والنفس هنا تُطلق ويُراد منها الجسد، وتُطلق ويُراد منها الروح، ويُطلق ويُراد منها العقل، ويُطلق ويُراد منها كل هذه الحياة.
كل هذا يعني ماذا؟ يعني أن الحياة تأتينا بمصائب متنوعة.
مصيبة التطاول والأذى من أهل الكتاب والمشركين على المؤمنين
حسنًا، سنجاهد في سبيل الله بأموالنا وبأنفسنا وسنصبر، لكن هناك مصيبة أخرى، ما هي؟ التطاول عليك! يتطاولون عليك، أي لا يتركونك في حالك:
﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: 186]
أثر أذى الناس على القلب أشد من مصائب المال والنفس
حسنًا، وما معنى هذا؟ أنا معي مالي وصحتي وعقلي وعلمي، أنا ما لي وما لكلام الناس، لا يهمني كلام الناس.
ليست القضية كذلك، بل القضية أن هدفك في الحياة هو تبليغ الدعوة، هدفك في الحياة هو البيان، أن تبين ما [أنزل] الله سبحانه وتعالى. هدفك في الحياة أن تحسن عشرتك مع الناس أجمعين.
لكن الناس أجمعين لا يتركونك في حالك، سيؤذونك! هذا أصابني في القضية الأساسية الخاصة بي. ما رأيك أنها تؤثر في النفس أكثر من المال وأكثر من النفس [أي الجسد]، تؤثر في قلبي أكثر من النفس وأكثر من مصيبتهم [مصائب المال والبدن].
الأذى يحطم العمل الدعوي ووصية سيدنا علي لمالك الأشتر
لماذا هذا [الأذى أشد]؟ سيحطم لي عملي كله. وماذا يعني هذا؟ إنه يعني أن عملي هو أنني يجب أن أفتح يدي وقلبي للناس أجمعين.
وهذا كلام سيدنا علي [بن أبي طالب رضي الله عنه] لمالك بن الأشتر وهو يرسله إلى مصر:
«فإن الناس صنفان: أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق»
انظر كلام سيدنا علي: أخ لك في الدين يعني مسلم مثلك، أو نظير لك في الخلق بني آدم مثلك، آدمي هكذا.
أمة محمد أمة الإجابة وأمة الدعوة تشمل البشرية جمعاء
إذن فأمتك من؟ أمة الإجابة [وهم من] صدقت بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأمة الدعوة. أمة الإجابة اليوم في الأرض مليار وثلاثمائة مليون، وأمة الدعوة بقية الخلق ستة مليارات.
الله! يعني الستة مليارات هؤلاء من أمة محمد؟ قالوا: نعم. انظر إلى المفهوم: نحن أمة محمد اليوم في الأرض كم عددها؟ ستة مليارات!
يا أخي قل كلامًا غير هذا، أمة محمد مليار وثلث! قال لك: هذه هي أمة الإجابة، وبقية الناس هذه أمة الدعوة.
معنى أمة الدعوة وأن النبي أرسل رحمة للعالمين لا للمسلمين فقط
ما معنى أمة الدعوة؟ يعني النبي [صلى الله عليه وسلم مبعوث] لهم:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
هذا ليس للمسلمين [فقط]! وما أرسلناك إلا رحمة للمسلمين؟ بل للعالمين! أرأيت كيف؟ إذن ليس للمسلمين بل للعالمين.
هذا هو مرسل للعالمين:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: 28]
فأين تكون أمة محمد؟ أين أمة محمد؟ الستة مليارات! اليوم الستة مليارات.
التعامل مع أمة محمد بالتبسم والبذل ومواجهة الأذى الكثير
فماذا تفعل أنت مع أمة محمد؟ تضحك هكذا في وجهه، التبسم في وجه أخيك صدقة. افتح لهم يديك هكذا.
حسنًا، ولكن منهم من تسمع منه أذى كثيرًا. هذا هو [البلاء]، ماذا ستفعل؟ تغضب إذن وتجري وراءه لكي تضربه بحجر؟ برصاصة؟ وتشهر السيف وتجري وراءه هكذا هو لكي يكون عبرة لمن لا يعتبر؟
فالمؤمن، المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.
الأمر الإلهي بالصبر والتقوى مع من يؤذيك لا بالانتقام والعنف
حسنًا، لنرى ماذا سيقول لنا [القرآن]، سيقول لنا أن نفعل هكذا [نضرب ونقاتل] أم ماذا سنفعل مع الستة مليارات الباقية هذه، ما يقارب خمسة مليارات إلا قليلًا؟
آه، ستضربونه إذن! قال لكم: لا!
﴿وَإِن تَصْبِرُوا﴾ [آل عمران: 186]
ما هذا! لقد كنت أظن أنه سيقول لنا: وأن كنا نفضل [أن نجري] وراء [الأعداء]، الآية [تقول]: المليار تجري وراء الخمسة مليار لكي يضربوهم! لا، يقول:
﴿وَإِن تَصْبِرُوا﴾ [آل عمران: 186]
يعني تسكت وتتجرع الصمت.
الصبر والتقوى من عزم الأمور وفتح القلب لمن أساء إليك
﴿وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: 186]
ما هذا! تصبر وليس تسكت فقط، بل إنك تتقي أيضًا! وتذهب تعمل له ضيافة وتعطيه وتفتح قلبك، وشتمك!
﴿فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186]
هذه حاجة صعبة جدًا والله!
لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
