سورة آل عمران | حـ 550 | 190-191 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يوضح الخطاب معالم طريق المؤمنين وأوصاف أولي الألباب وفق الآية "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب".
- •أولو الألباب هم من يذكرون الله في كل حالاتهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ويدعون ربهم.
- •يقوم منهج المؤمن على ثلاثة أركان: الذكر والفكر والدعاء، فالذكر يؤدي إلى تزكية النفس، والفكر يحقق العمارة المستقيمة، والدعاء هو العبادة.
- •ثلاثة أمور أساسية في حياة المسلم: العبادة والعمارة والتزكية، أي أن يعبد ربه ويعمر كونه ويزكي نفسه.
- •الصلاة وسائر العبادات يجب أن تنهى عن الفحشاء والمنكر وتؤثر في حياة المسلم وسلوكه.
- •لا يصح الاكتفاء بعبادة دون عمارة أو تزكية، كما لا يصح الإعمار دون عبادة أو ادعاء التزكية دون عبادة.
- •الآية "ربنا ما خلقت هذا باطلاً" تجمع بإعجاز ذكر الماضي والحاضر والمستقبل.
مقدمة في وصف أولي الألباب في سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يرسم الطريق للمؤمنين ويبين معالمها، وذلك بوصف أولي الألباب:
﴿إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُولِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [آل عمران: 190]
من هم أولو الألباب؟ قال:
﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا﴾ [آل عمران: 191]
أركان الطريق إلى الله: الذكر والفكر والدعاء عند أولي الألباب
رقم ثلاثة، أي أنهم يذكرون ويتفكرون ويدعون، فيكون الذكر والفكر والدعاء هي أركان قول أصحاب العقول.
أما الذكر فقد قال [الله تعالى] "ربنا" وهو وصفه، وقال:
﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
وأما الفكر، فهذا الفكر متعلق بماذا؟ بالدماغ، بالمخ، بالتفكير:
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
طلب منكم تعميرها، فيجب عليكم أن تفكروا كيف تعمرونها.
الدعاء هو العبادة كما جاء في الحديث النبوي والقرآن الكريم
"ربنا" قال هذا دعاءً، وقال [الله تعالى]:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى﴾ [غافر: 60]
فالدعاء إذن عبادة، وهذا ما جاء في الحديث عن سيدنا رسول الله ﷺ:
قال رسول الله ﷺ: «الدعاء هو العبادة»
وكان أبو هريرة [رضي الله عنه] يقول: إذا لم تصدقوني أن النبي ﷺ قال هكذا فاقرؤوا قوله تعالى:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]
يعني عندما سمى [النبي ﷺ] الدعاء عبادة، فعلينا أن نصدقه، فهذا موجود في القرآن، ويقوله سيدنا رسول الله ﷺ أيضًا، وليس مخالفًا فهو يعلمنا، كما روى أبو هريرة [رضي الله عنه]، كيف نصحح الحديث وأنه ليس مخالفًا، وهذا موجود في القرآن.
ثلاثة أمور أساسية في حياة المسلم: العبادة والعمارة والتزكية
﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]
"ربنا" دعاء، وهذا الدعاء هو العبادة، وقال [الله تعالى]:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
ثلاثة أمور التي ذكرناها عدة مرات: العبادة والعمارة والتزكية؛ أن تعبد ربك، وأن تعمر كونك، وأن تزكي نفسك. فكل الآيات وراءها هذا المفهوم.
خطورة الأخذ ببعض الدين وترك بعضه والعلاقة بين العبادة والإعمار
وهذا يعني أنك إذا أخذت شيئًا وتركت شيئًا آخر فذلك ليس جيدًا:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]
هذا غير مقبول، فالذي يعبد ثم يقوم بالإفساد في الأرض، مَن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له. فماذا يقول ربنا عن الصلاة؟
﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]
العبادة يجب أن تؤدي إلى إعمار الأرض، فإذا لم تؤدِ العبادة إلى الإعمار فهناك خلل؛ إنَّ عمارة الأرض وعمارة الكون تصبح غير مُجدية وتكون خاسرة، وتصبح عبادةً في الظاهر غير مقبولة.
أثر الصلاة خارج المسجد وضرورة الإخلاص في العبادة والعمارة
قد يقول لي أحدهم: أنا أصلي، حسنًا، ولكن لا بد أن تؤثر صلاتك هذه خارج المسجد بالخير لا بالشر. فالعبادة تؤدي إلى العمارة.
وإذا كنت تؤدي العبادة مُكرهًا وتقوم بالعمارة مُكرهًا، فهذا لا يصح، بل يجب عليك أن تقوم بها بإرادتك وأنت تحبها وتعملها لله:
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»
فيجب هنا أن يكون [المسلم] جميلًا في التزكية التي نسميها:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]
عدم قبول الاكتفاء بركن واحد من أركان الدين دون بقية الأركان
المسلم هكذا: إذا عبد وترك العمارة والتزكية، فذلك غير مقبول. وإذا عمّر وترك العبادة والتزكية، فذلك غير مقبول. وإذا زكّى وقال: أنا أزكي نفسي وفي حالي وليس لي شأن لا بعمارة ولا بعبادة، ويجلس يذكر الله طوال النهار ولا يصلي.
هل يوجد مثل هذا في الواقع؟ في الحقيقة هناك عقليات كهذه. ماذا تفعل؟ يقول لك: قلبي مع ربي. قلبك ماذا؟ وربك؟ هذا خطأ لا يصح. يقول لك: أنا وصلت وسقطت عني التكاليف. لا يصح ذلك؛ إنه يخادع نفسه ويضحك على ذاته. الأمر واضح.
أدوات الطريق إلى الله: الذكر للتزكية والفكر للعمارة والدعاء للعبادة
فعندما نقرأ الآية [آية سورة آل عمران] نجد أركان الطريق إلى الله: الذكر والفكر والدعاء. هذه أدوات:
- •الذكر يؤدي إلى النفس الزكية.
- •الفكر يؤدي إلى العمارة المستقيمة.
- •الدعاء هو العبادة نفسها.
طبعًا هناك عبادات كالصلاة والصوم والحج وهكذا، لكن هذا عنوان العبادة.
دعاء أولي الألباب يجمع بين الماضي والحاضر والمستقبل في آية واحدة
﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]
"ربنا" يتحدث عن ماذا؟ عن الذي خلق [وهو الله سبحانه وتعالى]. أول ما تقول "ربنا" تكون قد أجبت على سؤال: من الذي خلقك؟ إنه ربنا.
الرد على من يعترض على الإيمان بالله ويدعي أنه تخلف
يقول لك [المنكر]: لا، نحن لا نعرف، أنتم أحرار، ابقوا تائهين هكذا إلى أن تجدونه يوم القيامة. لكننا مؤمنون.
قال [المنكر]: لا، نحن لا نريدكم أن تكونوا مؤمنين لأن الإيمان هذا تخلف. حسنًا، سأتركك تدخل النار كما تشاء، فدعنا ندخل الجنة كما نشاء، فما شأنك بأمرنا!
والله إنها أمر غريب! أليست هناك حرية؟ تركناهم في حريتهم ليدخلوا النار، ما يتركوننا في حريتنا لندخل الجنة. ما هذا السؤال الآن؟ لماذا تصنع عائقًا بيني وبين دخول الجنة؟
أنا أظن وأعتقد أنني سأدخل الجنة يا أخي، عندما أؤمن بالله وأطبق الشرع الشريف وأزكي نفسي وأفعل الخير سأدخل الجنة. ما شأنك بي؟ اهتم بشأنك أنت!
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
فأنا تركتك في حالك تدخل النار، فما بالك لا تتركني في حالي لأدخل الجنة؟
نفي الإرهاب الفكري عن الإيمان وبيان شمول الآية للماضي والحاضر والمستقبل
السؤال الذي هنا: هل هذا يعني أن هناك إرهابًا فكريًا؟ أيريد أن يرهبني؟ أيريد أن يجعلنا نضطرب؟ أبدًا، ليس هناك اضطراب.
يقول له ربنا فيما يتعلق بالماضي، وهو يفهم من أين جاء - من عند الله - فيقول له ربنا:
﴿مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا﴾ [آل عمران: 191]
انظر إلى الكلام: "ما خلقتُ هذا" يتحدث عن أي شيء؟ عن الحاضر.
﴿بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]
يتحدث عن أي شيء؟ عن المستقبل. يعني في سطر واحد يتحدث عن الماضي والحاضر والمستقبل.
وبعد ذلك يقول لك: هذا ليس كلام ربنا! كيف؟ هل هناك أحد يعرف أن يأتي هكذا في سطر واحد في آية واحدة يتحدث عن كل شيء في حياته في سطر واحد؟
خاتمة الدرس والتذكير بالموعد يوم القيامة عند مليك مقتدر
أيضًا يتحدث عن الماضي والحاضر والمستقبل.
على كل حال، موعدنا يوم القيامة عند مليك مقتدر، يحكم بيننا وينبئنا بما كنا نعمل وفيما كنا فيه نختلف.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
