سورة النساء | حـ 567 | 4 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشير القرآن الكريم في سورة النساء إلى وجوب إعطاء النساء صدقاتهن (مهورهن) فريضة، وإذا تنازلت المرأة عن شيء منه طواعية فللزوج أن يأكله هنيئاً مريئاً.
- •عبارة "هنيئاً مريئاً" تعني التلذذ بالطعام ونزوله بسلاسة، وتتناسب مع العلاقة الودية بين الزوجين.
- •في الإسلام الرجل هو من يدفع المهر للمرأة، خلافاً لبعض الأديان والعادات الأخرى.
- •ابتكر المصريون نظام تقسيم المهر إلى مقدم يُدفع عند العقد ومؤخر يُدفع عند الطلاق أو الوفاة.
- •المؤخر يعتبر ديناً يجب سداده قبل توزيع التركة في حالة الوفاة.
- •كثير من الناس يتسامحون في مسألة المؤخر، خاصة عندما تقل قيمة العملة مع مرور الزمن.
- •ابتكر المصريون أيضاً مشاركة المرأة في تأثيث البيت، حيث يدفع الزوج مبلغاً وتشارك أسرة الزوجة بمبلغ آخر لشراء الأثاث.
- •الهدف من مشاركة المرأة هو اختيار الأثاث على ذوقها.
تفسير قوله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَءَاتُوا ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًٔا مَّرِيٓـًٔا﴾ [النساء: 4]
يعني فريضة؛ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا.
معنى كلمة هنيئًا مريئًا في اللغة العربية وفي اللهجة المصرية
وكلمة «هنيئًا مريئًا» كلمة يقولها العرب، أي تهنأ بالطعام وأن ينزل سلسًا سهلًا من المريء. «هنيئًا» فتتلذذ بالمذاق، و«مريئًا» أي نازلٌ بسهولة.
والمقابل عندنا في لهجتنا في مصر يقول لك ماذا؟ «حار كالنار»، أنت منتبه؟ «هنيئًا مريئًا» حلاوة في الفم هكذا، وبعدها هو ينزل ماذا؟ براحته، شيء حلو والحمد لله.
والمقابل يقول لك ماذا؟ «حار»، يعني إما حار فهذه تُطلق على الساخن، وإما تُطلق على الشيء الذي هو الفلفل الحار الذي هو حار مشتعل نار، ونازل هكذا والعياذ بالله نار. ما هذا! إنها شيء فظيع جدًا، حار نار!
الفرق بين التسامح الودي والتنازل بغضب بين الزوجين في المهر
عندما لا يكون أحد قد سامح الآخر فيقوم يقول هذه العبارة، يقول له: فخذ، هاك، سننتهي من المشاكل، ولكنني لست متسامحًا وغاضب غضبًا شديدًا منك بهذا الشكل.
ولكن ما هنا [في الآية الكريمة] يتناسب مع العلاقة الودية المحبة التي بين الزوج والزوجة؛ فالزوجة تنازلت عن حقها [في المهر] فأصبحت صاحبة منّة على زوجها، فينبغي أن يردّ لها الجميل.
تنازل الزوجة عن المهر هدية طيبة تتناسب مع المودة بين الزوجين
ولكن وهو يأكل هذه الهدية التي من زوجته؛ لأن المهر أصبح ملكًا لها، فإن تنازلت عن شيء منه أو تنازلت عنه كله فإنه يكون هدية طيبة تتناسب مع المودة والمحبة التي بين الزوج وزوجته.
﴿فَكُلُوهُ هَنِيٓـًٔا مَّرِيٓـًٔا﴾ [النساء: 4]
﴿وَءَاتُوا ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ﴾ [النساء: 4]
والصداق هو المهر يدفعه الرجل.
الفرق بين المهر في الإسلام والدوطة في بعض الأديان والعادات
على خلاف بعض الأديان والعقائد والعادات التي تجعل المرأة هي التي تدفع مالًا يُسمى بالدوطة. والدوطة هذا مثل المهر عندنا، ولكن المرأة هي التي تدفعه للرجل.
والرجل عندهم أيضًا يدفع، ولكن بأنظمة أخرى لا نشغل بالنا بها. ولكن هنا [في الإسلام] نحن ماذا نفعل؟ الرجل هو الذي يدفع فقط.
نظام المهر المقدم والمؤخر الذي اخترعه المصريون وحكمه الشرعي
ولذلك إذا كان الرجل قد دفع المهر فليس له إلا بالاتفاق أن يطالب المرأة بتأثيث البيت.
إن المصريين منذ زمن بعيد، منذ مئات السنين، اخترعنا شيئًا كهذا لراحة الناس، شرعية وطيبة وحسنة، أن نجعل المهر منه مقدّم يُدفع حالًا، ومنه مؤخّر لأيام الأجلين.
ما هما الأجلان؟ قال: نعم، يا موت يا طلاق. يعني سيحدث الانفصال كيف بين الزوجين هذين؟ إما بالطلاق فيدفع الذي عليه، وإما بالموت فيُؤخذ من التركة.
مؤخر الصداق دين يُسدد من التركة قبل توزيعها على الورثة
هذا [مؤخر الصداق] دين قبل توزيعها [التركة]. هذا من الديون؛ لأن التركة لا نوزعها إلا من بعد وصية يوصي بها أو دين. فيبقى لازم أن نوزع الدين أولًا، ومن الديون مؤخر الصداق.
أسباب تسامح الأمهات في مؤخر الصداق وعدم المطالبة به من التركة
لا يلتفت كثير من الناس إلى هذه المسألة [مسألة مؤخر الصداق عند الوفاة]. فلماذا لا يلتفتون؟ أهو خطأ أم لا؟ بل هو تسامح.
وهذا التسامح ما سببه وسبب خفته؟ هذه هي الأم وهؤلاء أولادها.
السبب الأول: رقم اثنين [أي السبب الثاني للتسامح] كان المؤخر من صداقها خمسين جنيهًا. خمسين جنيهًا ماذا؟ خمسين جنيهًا! هذه لا تشتري عشاءً الآن، فيعني تركت عشاءً لأولادها.
فلأن الناس عندما تسمع هذا الكلام تقول: يجب أن نقسم لئلا يدخل الرجل النار. لا، ليس كذلك؛ ما دام هناك تسامح في التعاملات، هذه هي الحياة الإسلامية الصحيحة، أن نحن نعم، تريدين أن تطلبي طلبك بحقك؟ حقك. ولكن إن لم تطلبي بحقك فلا مانع، جيد.
انخفاض قيمة العملة وملكية الأثاث سببان لتسامح الأم في مؤخر الصداق
فالسبب الأول أن الأم تكون العملة قلّت، انتهى. خمسون جنيهًا هذا في أيام ما تزوجت كان شيئًا كبيرًا، الآن لم يعد [كذلك]، أو خمسمائة جنيه ولا خمسمائة أصبح لها قيمة [ضئيلة] وهكذا.
النقطة الثانية أن الأم أصل الأثاث خاصتها، والرجل مات، فالأثاث هذا خاص بها فليس من التركة. فلا يجلسون يعني شيئًا بسبب الرقم المكتوب في الوثيقة، لا يوجد مانع.
حالة المطالبة بمؤخر الصداق الكبير عند زواج آخر العمر
ولكن لو كان مكتوبًا في الوثيقة خمسة ملايين وأرادت أن تحاسب؛ لأنها ليست أم الأطفال، هو تزوجها في آخر حياته، وبعد ذلك قالت له: لا، أريد أن أضمن، فذهب كاتبًا لها خمسة ملايين.
نعم، تأخذ الخمسة ملايين قبل توزيع التركة؛ لأن هذا دين من الديون.
نظام الصداق المقدم والمؤخر عند المصريين وأجلا دفع المؤخر
فيبقى إذن الصداق المصريون جعلوه ماذا؟ مقدمًا ومؤخرًا. مقدم الصداق ومؤخر الصداق؛ المقدم يُدفع فورًا، والمؤخر يفعل ماذا؟ يُدفع أيّما الأجلين، والأجلان هما الطلاق أو الوفاة.
مشاركة المرأة في تأثيث البيت من مقدم الصداق عند المصريين وحكمها
حسنًا، تقول لي هنا في مقدم [الصداق] أيضًا أن المصريين اخترعوا أن تشارك المرأة أيضًا، تشارك في الأساس أيضًا. جيد، لا يوجد مانع.
فأنا أدفع لها ثلاثين ألفًا، قم أبوه سيضع عليها ثلاثين ألفًا أخرى، ويشتريان الأثاث بستين ألفًا. ادفع مائة، قم هو يضع مائة، أو خمسون، أو يضع الذي يضع ويشترونه له.
لماذا فعلوا هكذا المصريون؟ قال لك: لأن الأثاث يأتي على مزاجها هي، فتكون هي التي تؤسس، تجلب على مزاجها؛ لأنه مهما سيجلب لها ستقول له: إن هذه قبيحة، لونها كذا، هذه تبدو كذا. قال لك: طيب، ما هو دعها هي التي تجلب، وتجلب هي المستوى الذي تريده.
جواز مشاركة المرأة في تأثيث البيت وإقرار العلماء لذلك عبر التاريخ
بدلًا من أن تقول له: لا، أنت أدخلتني على أثاث متوسطة هكذا. لا، أحضر ما تريده. كل هذا جائز وأقره العلماء عبر التاريخ.
إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
