سورة النساء | حـ 584 | 11 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يبين الله في سورة النساء نظام الميراث بتفصيل قطعي في معظمه، مع ترك مساحة للاجتهاد فيما لا نص فيه أو غير قطعي.
- •يقول تعالى: "يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين"، وهذا يعكس مبدأ المساواة وليس التساوي.
- •المرأة في الإسلام لها ذمة مالية مستقلة وحقوق وواجبات ومراكز قانونية خاصة بها.
- •المساواة تراعي الخصائص والوظائف والمراكز، بينما التساوي العددي يظلم المرأة ولا يناسب فطرتها.
- •حدد الله أنصبة الميراث بستة أرقام: السدس والثلث والثلثان والثمن والربع والنصف.
- •البنتان فأكثر لهن ثلثا ما ترك، وكذلك الأختان والحفيدتان.
- •الزوجة تأخذ الثمن عند وجود الأولاد سواء كانوا أولادها أو من امرأة أخرى.
- •تعدد الزوجات يجعل الزوجات شركاء في الثمن، ولذلك سميت الزوجة الأخرى ضرة لأنها تضر المرأة الأولى في نصيبها.
مقدمة في نظام الميراث في سورة النساء ومجالات الاجتهاد فيه
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يعلمنا ربنا سبحانه وتعالى نظام الميراث كجزء لا يتجزأ من النظام الاجتماعي البشري بالتفصيل، وقطع علينا مجالات الاجتهاد في كثير من هذا التفصيل، وسمح لنا بشيء من الاجتهاد في ما لا نص فيه، أو في النص غير القطعي في معناه؛ فإنه يجوز للمجتهدين أن ينظروا فيه وأن يختلفوا فيه.
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]
بلاغة القرآن في التعبير عن نصيب الذكر والأنثى وإدخال النساء في الميراث
وهذه بلاغة كبيرة؛ لأنه كلام مستقيم:
﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]
أدب عالٍ وهو يتكلم بهذه الصيغة:
﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: 11]
وهنا يُدخل الله النساء في الميراث، وكنا من قبل [أي في الجاهلية] محل الميراث؛ أي كان قبل ذلك يجعلون النساء كأنهن ممتلكات تنتقل بالإرث من المتوفى إلى من بعده.
لا، ليس لدينا هذا الكلام [في الإسلام]، الحر لا يدخل تحت اليد أبدًا، المرأة حرة.
حقوق المرأة في الإسلام والفرق بين المساواة والتساوي في الميراث
والمرأة لها ذمة مالية مستقلة، والمرأة لها حقوق وعليها واجبات، والمرأة لها خصائص ووظائف ومراكز قانونية، والمرأة مكلفة كالرجل، وإلى آخر ما للمرأة وما عليها.
فعلمنا ربنا المساواة ولم يعلمنا التساوي، فيقول لنا:
﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]
لا يوجد تساوٍ وإنما يوجد مساواة. المدخل الصحيح للمسألة هكذا: إنها مساواة لا تساوٍ، احفظ الكلام؛ لأنه إذا قيل لك نريد مساواة بين الرجل والمرأة ويقصد هو التساوي الحسابي العددي، لا، لا يصح.
التساوي الحسابي بين الرجل والمرأة ظلم لخصائصها ووظائفها
هذا ظلم للمرأة لا تطيقه، هذا لعب بخصائصها ووظائفها ومراكزها وهكذا إلى آخره. يقفون في الطوابير فتقف المرأة مع الرجل وهكذا.
عندنا صف للنساء وصف للرجال، فصف النساء يكون صغيرًا، نعم، لكي ترجع إلى بيتها سريعًا، لكي ترعى الطفولة، لكي ترعى البيت.
والرجل، الرجل يتحمل. هناك لا، الرجل يقول ليس لي دخل يتحمل أم لا يتحمل، إذن الاثنان يتحملان. ليس هكذا يتم التعامل مع المرأة، ستُجهد وستتعب، لا تتعاملوا بهذه الطريقة مع المرأة.
نموذج المرأة العاملة في الغرب وشهادتها بأن الخروج عن فطرتها أتعبها
قالوا: لا، ولماذا نتعبها؟ فيجب عليها أن تلعب كمال الأجسام وتلعب كرة وتدخل في الجيش، وهذه هي المساواة [المزعومة]، وبالفعل فعلوا ذلك.
فإذا قمت بإحصاء فستجد فتاة تقود السيارة وتعمل لكي تساعد في المعيشة، فإذا سألتها: هل أنتِ مسرورة؟ تقول لك: لا، كيف أكون مسرورة؟ أنتم أخرجتموني من الماء الذي خلقني الله فيها، مثل السمكة عندما تخرجها من الماء، فكيف أكون مسرورة؟
فإذا جاءكِ رجل ينفق عليكِ، هل ترضين أن تعملي هذا العمل؟ قالت: لا، لا أرضى بهذا. وهذا الحوار في أمريكا.
الشرع أعطى المرأة حقوقها وأهل الزمان الماضي سعدوا بقسمتهم
هنا [في بلادنا] ما زالوا يقولون ذات المرأة وتحقق ذاتها، ما زالت تحتاج إلى وقت حتى تفيق وتعلم أن الشرع قد أعطاها ولم يأخذ منها، ما زالت تحتاج لوقت.
لكن أهل الزمان الماضي رضوا بقسمتهم ورضوا بخلقتهم ورضوا بشريعتهم فسَعِدوا، فسُعِدوا هم في سعادة.
﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: 11]
فمنكنّ؟ هم الأولاد [أي المقصود بالآية أولاد المتوفى].
نصيب الثلثين للبنتين والأختين والحفيدتين في نفس الطبقة
فيتمثل الأولاد في الطبقات الواحدة [أي في نفس المستوى من القرابة]:
- •شخص ترك بنتين أو أكثر فلهن الثلثان.
- •وأختان؟ لهما الثلثان.
- •وحفيدتان ابنتا ابن؟ لهما الثلثان.
فنتكلم عن نفس مستوى [القرابة]، إن الاثنتين أخوات سواء كنّ بنتين أو حفيدتين أو أختين، فهؤلاء:
﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 11]
الثلث يعني الثلثين.
الأنصبة الستة في الميراث وعلاقتها الحسابية ببعضها البعض
إذن نريد هنا، ما دام قال ثلثا وقال قبل ذلك نصف، أن نتعلم الحساب. فعلّمنا أهل الميراث الحساب.
قالوا: ربنا تكلم معنا عن ستة من الأرقام: سدس وثلث وثلثان. أتلاحظ ما الذي يحدث؟ تضرب في اثنين: السدس، الثلث [سدسان]، ثلثان [ثلث وثلث]، والثلث [سدس وسدس]، إذن تضرب في اثنين، أي أنها مثل السلّم:
- سدس وثلث وثلثان.
- ثمن وربع ونصف.
أيضًا تضرب في اثنين، سلّم آخر. هذه هي الستة الخاصة بأنصبة الميراث.
حفظناها، انتهى. لماذا حفظناها؟ لأننا عملنا علاقة بينها: سدس وثلث وثلثان؛ وثمن وربع ونصف، أيضًا نفس الطريقة. فيبقى معنا ستة، انتهى.
نصيب الزوجة الثمن عند وجود أولاد ومعنى الضرة في الميراث
وسنرى إذن كل رقم من هذه الأرقام من الذي يأخذه. الثمن سنجد أن الزوجة تأخذ الثمن عندما يكون هناك أولاد، وهؤلاء الأولاد قد يكونوا أولادها أو من امرأة أخرى، لا يضر. المهم أنا [أي المتوفى] لديّ أولادًا وتركت زوجة، هذه الزوجة تأخذ الثمن.
أنتم أيها المسلمون تتزوجون واحدة واثنتين وثلاثة وأربعة، فيكونوا شركاء في الثمن. فيبقى عندما يتزوج الرجل مرة ثانية يكون ذلك ضررًا للمرة الأولى؛ لأنها ستشاركها في ثمنها.
ولذلك سماها العرب ضرّة؛ لأنها تضر المرأة الأخرى. نعم، اضحكوا لأنكم رجال، اضحكوا.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
