سورة النساء | حـ 580 | 11 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 580 | 11 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • يشرح الله في سورة النساء نظام الميراث بالتفصيل، مما يعني أنه لا مجال للاجتهاد فيه.
  • القاعدة الفقهية تقول "لا اجتهاد مع النص" حيث أن النص القطعي الدلالة والثبوت يجب اتباعه.
  • الله أنزل القرآن بعضه قطعياً وبعضه ظنياً ليكون صالحاً لكل زمان ومكان.
  • تتغير الأحكام الظنية بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
  • نظام الميراث في القرآن جاء بصيغة الوصية "يوصيكم الله في أولادكم" وهذا يعني أنه عهد من الله.
  • الوصية تستلزم نوعاً من الغياب والله هو الغيب المطلق، مما يجعل المسؤولية أكبر على المكلفين.
  • عبارة "في أولادكم" تشير إلى دقة التشريع الإسلامي وسياقه المحدد.
  • الاعتراضات على نظام الميراث الإسلامي تأتي من عدم فهم السياق الدقيق للنص القرآني.
  • نظام الميراث ثابت لا يتغير لأنه عهد من الله وتغييره من صفات النفاق.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان أن نظام الميراث مفصل في سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول الله سبحانه وتعالى وهو يذكر نظام الميراث بالتفصيل. وإذا ذكر الله سبحانه وتعالى أحكام شيء بالتفصيل فمعناها أنه لا اجتهاد فيها.

وقرر العلماء قاعدة جليلة تقول: لا اجتهاد مع النص؛ فما دام هناك نص وكان هذا النص لا يحتمل التأويل فليس هناك اجتهاد؛ لأن الاجتهاد هو النظر في النص الظني. فما دام النص قطعيًا في ثبوته وفي دلالته فليس هناك اجتهاد، بل هناك اتباع.

دور المجتهد مع النصوص القطعية والظنية والحكمة من إنزال النص الظني

ويقوم المجتهد بالفهم، ولكنه لا يقوم بإنشاء أحكام واستنباطها بطريقته، بحيث إنه يمكن أن يختلف مع مجتهد آخر. هذا [الاختلاف] يتم في النصوص الظنية.

ومعنى أن الله سبحانه وتعالى أنزل النص ظنيًا أي أنه أراد منا أن نختلف في آرائنا فيه، توسعةً على الأمة وحتى يكون الإسلام صالحًا لكل زمان ومكان.

فتتغير الأحكام بتغير الزمان إذا كان أساسها على الزمان وعادات الناس، وتتغير الأحكام بتغير المكان إذا كان أساسها المكان والدور وما ينسب إليها، وتتغير الأحكام بتغير الأشخاص إذا كان الأمر متعلقًا بالشخص، وتتغير الأحكام بتغير الأحوال؛ فهناك اختلاف بين حالة الضرورة وحالة الاعتياد وحالة السلم وحالة الحرب وهكذا.

القرآن نزل قطعيًا وظنيًا ليصلح للتطبيق في كل الأحوال

ومعنى هذا أن القرآن قد نزل ليتجاوز هذه الجهات كلها، ولذلك فهو صالح للتطبيق. ومن هنا أنزل الله بعضه قطعيًا وبعضه ظنيًا في الدلالة؛ فإذا فصّل فهو في إطار القطعية.

يبقى إذن نظام الميراث فيما هو منصوص عليه؛ لأنه يوجد حاجات ليس فيها نص أيضًا لم يذكرها الله. والله سبحانه وتعالى منزّه عن النسيان، منزّه عن الخطأ سبحانه وتعالى؛ إذا هو لم يذكرها حتى نجتهد فيها وحتى تختلف فيها أنظارنا.

لكنه لما فصّل تفصيلًا فقد قطع القول على كل أحد، فلا اجتهاد مع النص.

مجالات الاجتهاد المحصورة في نظام الميراث وبداية آية المواريث

فمن أراد أن يجتهد في مجال الميراث فإن اجتهاده يكون محصورًا في ثلاثة أمور:

  1. فيما لا نص فيه أولًا.
  2. في فهم النص غير القطعي ثانيًا.
  3. في التطبيق ثالثًا؛ يمكن أن أجتهد اجتهادًا يبيّن كيف نطبق ما أمر الله به.

إنما هذا ما أمر الله به لا كلام فيه.

ولذلك سنبدأ من قوله تعالى:

﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]

نظام الميراث بالتفصيل جعل الله سبحانه وتعالى هذه وصية.

معنى الوصية في لغة القرآن وأنها عهد بين المسلم وربه

والوصية معناها في لغة القرآن العهد والوعد؛ فالله قد تعاهد في عهده الذي وثّقناه فيما بيننا وبينه.

إذن نظام الميراث جزء من العهد الذي بين المسلم وبين ربه. والعهد لا يتغير، والذي يُخلّ بالعهد فيه صفة من صفات النفاق.

فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«ثلاثٌ من كُنّ فيه كان منافقًا، ومنها: إذا عاهد أخلف، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد خان، وإذا ائتُمن خان» من علامات النفاق.

ولما أخذ الله العهد على إبراهيم توارث هذا العهد إلى يومنا هذا، وعهد إبراهيم ثابت لا يتغير، فعهد الله سبحانه وتعالى ثابت.

معنى يوصيكم الله وارتباط الوصية بتوثيق العهد والغياب

فلما يقول يوصيكم الله يعني هذا نوع من أنواع توثيق العهد أنها وصية.

والوصية تُطلق في كلامنا فيما إذا أوصينا من بعدنا ونحن غائبون أن يفعلوا كذا وكذا؛ فتوصي أولادك، توصي يعني ماذا؟ وأنت مسافر توصيهم، وأنت على فراش الموت توصيهم، يعني تكون غائبًا.

وهذا معناه أن الله سبحانه وتعالى وهو غيب الغيب، الغيب المطلق هو الله سبحانه وتعالى. فمعنى الوصية أن الله سبحانه وتعالى قد وثّق العهد الذي بيننا وبينه، وهذا العهد ثابت كما عاهد إبراهيم، وعهد إبراهيم باقٍ إلى الآن.

الوصية تستلزم الغياب وإلقاء المسؤولية على الحاضرين

وعندما يقول أحدنا لأبنائه: أوصيكم بكذا وهو مسافر أو في فراش الموت، يعني في غيابه. هذا يعني أن الوصية تستلزم شيئًا من عدم الحضور وإلقاء المسؤولية على الحاضرين.

والله سبحانه وتعالى هو الغيب المطلق، فيقول: سأترككم مع أنفسكم فتكون المسؤولية أكبر؛ لأن فيها وصية لن أتدخل في تنفيذها وأترككم أنتم الذين تنفذونها.

يا له من خبر عظيم! فيكون إذن أنني لو لم أنفذها فسيكون هناك غضب؛ لأن في ذلك مخالفة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد جعلها لي وأوصاني بها، فخالفت وصيته. فيكون قد خالفت العهد، وفي الوقت نفسه لم أحترم الغيبة، وكأنني غيّبته فعلًا وهو حاضر بقدرته وبحسابه وبعظمته سبحانه وتعالى.

دلالة كلمة في أولادكم على دقة القرآن والرد على المعترضين

يوصيكم الله، الأمر الثاني بعدما عرفنا أن نظام الميراث ليس محلًا للاجتهاد: في أولادكم.

وكلمة «في أولادكم» كلمة دقيقة جدًا. عندما يعترض المعترضون على المسلمين يعترضون عليهم بطريقة غير دقيقة، لا يعتادون على كلامهم. المسلمون أهل علم وليسوا أهل غوغائية.

قوم لا ينتبهون وهم يتكلمون، يعترضون على كلمة «في أولادكم» ويتركونها. قوم يعترضون على [نظام الميراث] وهم في أذهانهم ويقول لك: هذا الإسلام لم يُسوِّ بين الرجل والمرأة ولا بين الذكر والأنثى؛ لأنهم لا ينتبهون إلى كلمة «في أولادكم».

متانة دين الله وخاصية القرآن في الرد على كل اعتراض

إذن نحن نتكلم بالقطّارة قطرة قطرة وكلمة كلمة، أهل علم، وهم يتحدثون بالكوم. ولذلك لا يعرفون كيف يمسكون على المسلمين شيئًا إلا الأوهام.

ومن هنا تعرف دين الله كيف هو بهذه الخاصية؛ ما هو لو كان من عند البشر لما يكن فيه «في أولادكم»، ينساها البشري. ولكن لما كانت من عند الله كان دينًا متينًا جدًا لا يستطيع أحد أن يحير ويدور فيه؛ كلما تفتح معه كلما تجده يرد.

الله! ما هذه الخاصية الغريبة؟

نلتقي مرة أخرى في حلقة أخرى، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.