سورة النساء | حـ 582 | 11 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 582 | 11 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • الآية "للذكر مثل حظ الأنثيين" تتعلق بمراكز قانونية مبنية على وظائف وخصائص خلقية، وليس عن تفضيل ذكورة على أنوثة.
  • خص الله الرجل بقدرته على الحركة والسعي وطلب الرزق والنفقة والدفاع عن الأسرة.
  • منح الله المرأة خصيصة الولادة والإنجاب، وأفرحها بأنوثتها كما أفرح الرجل برجولته.
  • الرجل والمرأة نفس واحدة مكلفة بالعبادات والتكاليف الشرعية نفسها.
  • ليس من العدل معاقبة المرأة دون الرجل في الجرائم الأخلاقية، فهذا حكم بغير ما أنزل الله.
  • القوامة تشريف للرجل وتكليف في الوقت نفسه، فهو مسؤول عن الإنفاق على أمه وأخته وزوجته وابنته.
  • كل تشريف في القرآن يصاحبه تكليف، كوصف الأمة بأنها خير أمة أو أمة وسط.
  • عند وقوع المشكلات يجب أن نبدأ بإصلاح أنفسنا وتغييرها قبل لوم الآخرين.
  • حل المشكلات يكون باتهام النفس بالتقصير والبدء بالتعديل والتغيير.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة في آية المواريث وبيان أنها تتعلق بمراكز قانونية لا بالذكورة والأنوثة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]

وعرفنا أن هذه الآية تتعلق بمستوى معين، وأنها لا تتحدث عن الذكورة والأنوثة في ذاتها، وإنما تتكلم عن مراكز قانونية مبنية على وظائف، مبنية على خصائص خلقية؛ رتّب الله بها الاجتماع البشري.

خصائص الرجل الخلقية ودوره في السعي والرعاية والإنفاق على الأسرة

خلق الله الرجل وجعل له خصائص، ومن مزاياه أنه لا يحمل ولا يلد؛ أهم شيء في الرجل هكذا. ولأنه لا يحمل ولا يلد فإنه قادر على الحركة والسعي في الأرض، والرعاية والعناية بالأسرة كل الوقت.

والرعاية والعناية تشمل الدفاع عنها، وتشمل طلب الأرزاق، وتشمل النفقات، وتشمل وهكذا.

خصائص المرأة الخلقية وأهمية الولادة في تحديد الأنوثة الحقيقية

والمرأة لها خصائص، لكن أهم خصيصة أن الله أذن أن تخرج الحياة منها؛ انظر، يعني هي الأم التي تلد.

ما هو المؤنث الحقيقي؟ المؤنث الحقيقي هذا يقول لك: الذي يلد. المؤنث الحقيقي الذي يلد لكي توجد الحيوانات والطيور والأسماك، والسمكة لا تلد ولكن في بعض الكائنات البحرية تلد شيئًا غريبًا، فيكون الذي يلد هذا عبارة عن ماذا؟ أنثى حقيقية.

ما الفرق بين الأنثى والذكر؟ الولادة. والولادة هذه تجعل المرأة حاملًا، وفي حملها ضعف، وهي تلد تعاين الموت تراه بعينيها هكذا.

فرح المرأة بالحمل والأمومة وإقامة الله لكل من الرجل والمرأة في دوره

والله جعل في قلبها الفرح بهذه المعاينة؛ تصبح فرحة جدًّا بأنها حامل وهي تتقيأ وترجع ومتعبة، والطبيب يقول لها: نامي على ظهرك ولا تبذلي مجهودًا ولا تحملي شيئًا ثقيلًا، وهي فرحة أشد الفرح.

الله سبحانه وتعالى أقام الرجل وأفرحه برجولته، وأقام المرأة وأفرحها بأنوثتها، فيصبح هذا جميلًا، فيصبح هذا كلامًا جميلًا، فلماذا نخلط الأمور؟

عدل الإسلام بين الرجل والمرأة وعدم التحيز لأحدهما على الآخر

فإذا [كان الأمر كذلك] لم يجعل [الله] هناك تحيزًا للرجل ضد المرأة ولا للمرأة ضد الرجل.

قال رسول الله ﷺ: «النساء شقائق الرجال»

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]

وبعد ذلك يأتي التنظيم؛ فهذه خصائص وتأتي بعدها وظائف. قال له: حسنًا أنت عليك كذا وكذا، وأنت عليك كذا وكذا، إنما هذه نفس واحدة كما أشار [الله] في أول السورة [سورة النساء]، وهذه نفس واحدة مكلفة.

المساواة في التكليف الشرعي بين الرجل والمرأة في العبادات والعقوبات

فأمر [الله الرجل] بالصلاة والحج والصيام وهي [المرأة] كذلك [مأمورة بها]. لو حدثت الجريمة كجريمة الزنا، ليس الرجل مكلفًا والمرأة لا، ليست المرأة هي الآثمة الملعونة والرجل بريء كما هو في بعض المجتمعات.

الرجل لو زنى يتركونه والمرأة يمسكونها ويقتلونها وهي ما زالت فتاة لم تتزوج؛ فلا يوجد حق لهم أن يقتلوها! يقتلونها ويتركونه هو وهو متزوج ومن حقه القتل [أي حدّ الرجم]، يعني كان العدل أن هو الذي يُقتل فيتركونه، وهي التي من المفترض ألا تُقتل يقتلونها! فيكون هذا حكمًا بغير ما أنزل الله، هذه فوضى.

الفرق بين قوله يوصيكم الله في أولادكم وقوله للذكر مثل حظ الأنثيين

لم يقل الله سبحانه وتعالى: "يوصيكم الله للذكر مثل حظ الأنثيين" وإلا لكان قد وقع التناقض، إنما قال:

﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]

وهذا سيترتب عليه بعد ذلك أن آتي بالأخ وأقول له: تكفّل بأختك التي لم تتزوج، وآتي بالرجل وأقول له: ادفع مهرًا للمرأة التي ستتزوجها، وأجعله مسؤولًا عن أمه وعن أخته وعن زوجته وعن ابنته.

القوامة تشريف وتكليف وكل تشريف في القرآن يقابله تكليف

فيكون ذلك للرجل القوامة تشريفًا ولكنها تكليف. وكما قلنا مرارًا أن كل تشريف في القرآن لا بد أن تبحث فيه عن تكليف لك؛ أي لا تقل: هذا ربي شرّفني، نعم شرّفك جيدًا، إذن لا بد أن كلّفك؛ أي تشريف معه تكليف.

وكذلك:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]

نعم نحن أمة وسط، لكن هذا تكليف كما هو تشريف.

﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]

هذا تشريف؟ لا، هذا تكليف! هو تشريف طبعًا لكنه تكليف. [وقوله تعالى:] اسجدوا [أي أمر الملائكة بالسجود] لآدم، تشريف لكنه تكليف. وهكذا كل تشريف ابحث وراءه عن التكليف. جعلك صاحب قوامة؟ آه، هذا تشريف لكنه تكليف في الوقت نفسه.

المشكلة في عدم قراءة الناس وضرورة إصلاح النفس قبل لوم الآخرين

فالمشكلة هي أنهم لا يقرؤون. فما سبب عدم قراءتهم؟ نحن؛ لم نحسن التعبير عن مراد الله أبدًا.

ابدأ بنفسك ثم بمن يليك، أترى القذاة في عين أخيك وتترك جذع النخلة في عينك؟

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]

لا تُلقِ المسؤولية على غيرك، ابحث في روحك أنت أولًا. أول شيء: أنا الذي أخطأت. لماذا يتحدث هؤلاء الناس عنا بسوء؟ هل أنا سيء؟ ولكنني عندما أرى شيئًا أغيّر نفسي؛ هذه هي الجدية.

حل المشكلة يكون بتغيير النفس لا بإلقاء اللوم على الآخرين

أما كونه قليل الأدب فقد يكون، وأما كونه مجرمًا فنعم يمكن أن يكون مجرمًا، ولكن ليس هذا ما سيحل المشكلة. كونه مجرمًا وقليل الأدب وهو المعتدي، وليس هذه هي التي ستحل المشكلة.

التي ستحل المشكلة أن تغيّر نفسك، التي ستحل المشكلة أن تؤدي الذي عليك، وبعد ذلك فالله سيكون في عونك، وبعد ذلك الله يقف معك ويدافع عنك:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا﴾ [الحج: 38]

وينصرك:

﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]

أنت تبدأ بنفسك، كذلك هو ينصركم ويثبت أقدامكم.

الورطة الحقيقية في إلقاء اللوم على الآخرين وضرورة اتهام النفس بالتقصير

هذا الذي نحن في ورطة فيه؛ أن أول ما تحدث مشكلة نلقي باللوم على الآخرين ونشتمهم ونصفهم، وقد يكون وصفك صحيحًا وقد يكون خاطئًا، ولكن ليس هذا ما سيحل المشكلة.

حل المشكلة عندما تتهم نفسك بالتقصير وتبدأ في التعديل والتغيير.

فاللهم يا ربنا غيّر حالنا إلى أحسن حال، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.