سورة النساء | حـ 598 | 16 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الآية "واللذان يأتيانها منكم فآذوهما" يفسرها بعض العلماء بأنها تتعلق بالشذوذ الجنسي وعقوبته المنصوصة في القرآن.
- •الحكم المذكور في الآية مقصور على المؤمنين، حيث يُطبق على المسلمين أحكام الإسلام وعلى غيرهم أحكام دينهم.
- •أقر المسلمون مبدأ المواطنة والتعددية الدينية، فلا يفرضون أحكامهم على غير المسلمين إلا إذا احتكموا إليهم.
- •الأذية في الإسلام غرضها التأديب وليس الانتقام، والفرق جوهري بينهما.
- •التأديب محمود العواقب ومعروف المدى ويهدف للتربية والتهذيب، بينما الانتقام غير محمود العواقب ولا يُعرف مداه.
- •من حكمة التربية التغافل عن الخطأ غير الظاهر، أما إذا ظهرت المعصية فالتأديب ضروري.
- •يأمر الله بالإعراض عمن تاب وأصلح، وهذا من خصائص التأديب الهادف للإصلاح.
- •ينبغي للمسلمين التخلق بأخلاق الله في قبول التوبة والرحمة بالعباد.
مقدمة وتلاوة آية الشذوذ الجنسي من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿وَٱلَّذَانِ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ فَـَٔاذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 16]
حمل الآية على معنى الشذوذ الجنسي وعقوبته في القرآن
وعلى هذا، وبالقول أن كل آية في القرآن إنما تعطي حكمًا، وأنه ليس هناك شيء من القرآن ضاع لا حكمًا ولا تلاوة، وأن كل شيء فيه يصلح إلى يوم الدين؛ فإن بعض العلماء حمل هذا [الآية] على معنى جديد، وهو معنى الانحراف الجنسي الذي نسميه في عصرنا بالشذوذ الجنسي.
والشذوذ الجنسي يكون عقابه كما هو منصوص في القرآن على هذه الحال: "واللذان" يعني رجل مع رجل، "يأتيانها" يعني يأتيان الفاحشة، "منكم" إذن ليس من غيركم؛ يعني كان هذا الحكم مقصورًا على من آمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
تطبيق أحكام غير المسلمين عليهم وفق شرائعهم الخاصة
ومن هنا فإننا نطبق أحكام غير المسلمين على غير المسلمين إذا أرادوا ذلك؛
﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: 47]
يعني كأنهم يحكمون فيما بينهم بما أنزل الله سبحانه وتعالى لهم. وهذا هو الأساس الذي بموجبه قبل المسلمون التعدد في المجتمع؛ فالمسلمون قبلوا أن تكون هناك مواطنة يكون المواطن فيها مسلمًا، ويكون المواطن فيها مسيحيًا، ويكون المواطن فيها يهوديًا، وهكذا.
والنبي صلى الله عليه وسلم حتى قال في المجوس:
«سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهل الكتاب»
فما دام له دين، وما دام له شرع، وما دام أراد أن يطبق شرعه على نفسه؛ فإن المسلمين وإن تمكنوا من الدولة فإنهم لا يفرضون أحكام المسلمين على غير المسلمين.
تحاكم غير المسلمين إلى المسلمين وتطبيق القانون المصري
إلا إذا أراد غير المسلمين أن يتحاكموا إليهم [إلى المسلمين]؛
﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 105]
حينئذ عندما يتقاضون [أمام القضاء الإسلامي يُحكم بينهم بشرع الله]. ومن هنا أصبح القانون المصري يطبق عند اتفاق الملة؛ يطبق الأحوال الشخصية على غير المسلمين بملتهم وبما ارتضوه فيما بينهم. وهذا إقرار من المسلمين بالمواطنة والتعددية.
الفرق بين التأديب والانتقام في عقوبة الشذوذ الجنسي
"واللذان يأتيانها منكم فآذوهما"؛ يبقى فيه أذية. والأذية ليس الغرض منها في دين الله الانتقام، بل الأذية الغرض منها في دين الله التأديب.
وهناك فارق تربوي ونفسي بين التأديب وبين الانتقام؛ [فالتأديب] لا نعرف إلى أي مدى ينتهي، والانتقام لا نعرف أثره على من ننتقم منه؛ فهو يؤدي مرة إلى انكساره، ويؤدي مرة إلى ثورته وهياجه، ولا يؤدي أبدًا إلى تربيته وعدم عودته للإثم الذي ارتكب.
ثمرات التأديب في تهذيب النفس والخوف من المعصية
أما التأديب فإنه يؤدي إلى تهدئته، ويؤدي في الوقت نفسه إلى الخوف من المعصية، ويؤدي في الوقت نفسه إلى تأديبه وتربيته وهدوئه؛ لا إلى ثورته ولا إلى انكساره.
يبقى الفرق بين التأديب والانتقام أن الانتقام ليس محمود العواقب، أما التأديب فهو محمود العواقب. إن الانتقام لا نعرف مداه، وأما التأديب فنعرف مداه. إن الانتقام فيه شفاء للنفس، وأما التأديب ففيه غرض للقضية.
لماذا تضربه؟ اضربه ليؤدَّب.
نقد المدارس التي رفضت التأديب وبيان ضوابطه الشرعية
وهذا المعنى افتقده كثير من التربويين الذين قلدوا المدارس التي شذت فقالت بعدم التأديب مطلقًا، وأن التأديب يتنافى مع الحرية. وهذا أمر يضر بالنفس البشرية.
التأديب ينبغي أولًا أن يتحرر من الانتقام؛ فالتأديب شيء والانتقام شيء. وبعد هذا التحرير فإن التأديب يتوخى التهذيب، يتوخى عدم الوقوع مرة أخرى في المعصية، يسعى ويهدف إلى مستقبل الأيام وليس ماضيها.
التأديب لا يبحث عن الجرم والتغافل تسعة أعشار التربية
ولذلك فإن التأديب لا يبحث عن الجرم بل يتجاهله، ولا يتعرض للجرم إلا إذا شاع وظهر. ولذلك فإذا كان لديك ولد وهذا الولد ارتكب خطيئة دون ظهور، في الخفاء؛ فمن التربية والتقويم أن تتجاهل الأمر، أي تتظاهر بعدم العلم، إنك لا تراه.
والإمام أحمد [بن حنبل] له معنى في الكلام أن التغافل تسعة أعشار التربية. عندما تتغافل عن الولد اتركه، ولكن عندما تأتي به وتقول له: هذا أنت فعلت وفعلت؛ يتجرأ عليك، فحسنًا ما دام قد فعل فماذا أفعل أنا؟
خطورة المجاهرة بالمعصية وضرورة التأديب عند ظهورها
أما إذا ظهر بالمعصية، نعم هذا فيه خطورة. المعصية خطرها أنه لا يرى أنها معصية، خطرها أنه يرى اللامبالاة وينقلها إلى غيره، في [ذلك] خطر.
ولذلك يأتي التأديب مخالفًا دائمًا لقضية الانتقام؛ فيه عقوبة ولكن فيه أيضًا بحث وتفتيش وإخراج ضغينة الناس. ثم بعد ذلك الانتقام منهم وهدفه وما يؤدي إليه مختلف؛ ينكسر الإنسان وفي هذا ذل واحتقار وضياع، أو يهيج ويثور وفي هذا مصائب الله أعلم بها. ولذلك فالتأديب يخالف الانتقام.
التوبة والإصلاح غاية التأديب والأمر بالإعراض عن التائب
وهنا أمرنا الله سبحانه وتعالى بالتأديب لا بالانتقام: "واللذان يأتيانها منكم فآذوهما". ومن ضمن الأشياء التي يخالف فيها التأديب الانتقام يذكرها الله بعد ذلك، يقول:
﴿فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَآ﴾ [النساء: 16]
يبقى التأديب له حد وله غرض؛ فإن تاب وأصلح [انتهى الأمر]. وليس كأنه شيء؛ هم ارتكبوا ذنبًا من قبل، ما أعتقد ما ارتكبوه؟ لا، ارتكبوا. لا، ارتكبوا. كيف هذا؟ صفحتهم بيضاء؟ هم في الواقع أنهم ارتكبوا، ولكن ربنا أمرنا أن نعرض عنهم.
التخلق بأخلاق الله في قبول التوبة والرحمة بالعباد
بعض الناس لا يفهمون المعاني العالية هذه، ويأتي ويعكس القضايا من غير وجه حق.
﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 16]
فتخلقوا بأخلاق الله، وكونوا قابلين للتوبة، رحماء بالعباد.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
