سورة النساء | حـ 615 | 24 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 615 | 24 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يُبيّن القرآن في سورة النساء المحرمات من النساء، ومنهن المحصنات إلا بعقد الزواج الشرعي.
  • حرّم الله العلاقة بين الرجل والمرأة خارج الزواج، فهي فاحشة يتنزه عنها المؤمنون.
  • استثنى الله من المحرمات "ما ملكت أيمانكم" في نظام الرق الذي كان سائداً.
  • كان الرق في الجاهلية واسعاً يشمل الخطف والأسر والديون والربا، فسد الإسلام كل أبوابه.
  • لم يُبقِ الإسلام من أسباب الرق إلا الأسر في حرب مشروعة، وأعطى للإمام حق التصرف بالأسرى.
  • يجوز للرجل أن يدخل بأمته، ولا يجوز للعبد أن يدخل بسيدته إلا بزواج شرعي مستوفٍ للشروط.
  • دعا الإسلام إلى العتق وتحرير العبيد، ثم جاءت الاتفاقيات الدولية في القرن التاسع عشر لإنهاء الرق نهائياً.
  • وافق المسلمون على هذه الاتفاقيات لانسجامها مع مبادئ الإسلام في تحرير الرقاب.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة في بيان ما حرم الله وما أحل في شأن الزواج من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يعلمنا ربنا سبحانه وتعالى ما حرّم علينا وما أحلّ في شأن الزواج. فيستمر القرآن في قوله سبحانه وتعالى:

﴿وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ﴾ [النساء: 24]

يعني حرّم الله سبحانه وتعالى حرّم علينا المحصنات من النساء إلا بعقد الزواج.

التحريم المؤقت للنساء بدون عقد زواج والفرق بينه وبين التحريم المؤبد

وعلى ذلك فهناك تحريم مؤقت؛ هذا التحريم يتمثل في كل النساء ممن لم تعقد عليها، فتبقى حرامًا. وليس الأمر أنها ليست حرامًا عليك، بل تبقى حرامًا عليك ولكن بصورة مؤقتة لا بصورة مؤبدة.

ليس شأنها كشأن أمك وأختك وابنتك وابنة الأخ وابنة الأخت، ليس شأنها هكذا. إنما شأنها أنها محصنة، والمحصنة لا تزني. والذي يقع بين الرجل والمرأة خارج عقد الزواج إنما يكون على سبيل الفاحشة والعياذ بالله تعالى، والمؤمنون مبرّؤون من هذا، وإنما سبيلهم إلى هذا [الحلال هو] الزواج.

استثناء ملك اليمين ونظام الرق الذي كان واسعًا في الجاهلية

والمحصنات من النساء، ثم استثنى منهن فقال:

﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ﴾ [النساء: 24]

وهذا نظام وهو نظام ضرب الرق، كان واسعًا في الجاهلية يسمح بامتلاك الإنسان لأخيه الإنسان. ومعنى هذا أنه قد خرج من كونه إنسانًا بكمال حريته إلى كونه شيئًا يشبه الأشياء، إلى كونه شيئًا يشبه الأشياء.

الحر لا يدخل تحت اليد، يعني أولاد الله [أي] أولاد الناس، ربنا خلق الناس أحرارًا، أمهاتهم ولدنهم على الحرية. ثم يأتي ضرب الرق كنوع من أنواع الأنظمة القانونية الدولية، ولذلك كان واسعًا.

صور ضرب الرق في الجاهلية من الخطف والغارات والديون والربا

فكان الذي يخطف شخصًا ما كان يستطيع أن يضرب عليه الرق. لماذا؟ لأنه خطفه. وكانت القبيلة تُغير على قبيلة مجاورة لها فتأسرهم فتضرب عليهم الرق رجالًا ونساءً وأطفالًا وشيوخًا.

وكان الدائن يضرب الرق على المدين إذا عجز عن سداد دينه، يضرب عليه الرق. وكان نظام الربا هو الأساس؛ فكان يقترض منه مائة فتصير بعد مدة ألفًا، أضعافًا مضاعفة، فائدة مركبة، فتصير بعد هذا دينًا يعجز الإنسان عن سداده فيأخذه رقيقًا له.

مجيء الإسلام وسدّه لجميع أبواب الرق إلا الأسر في الحرب المشروعة

فجاء الإسلام وسدّ كل أبواب الرق؛ فحرّم الخطف، وحرّم الغارة على الجيران، وحرّم الربا، وحرّم أن يبيع الإنسان نفسه من أجل أن يفكّ رقبته، يفكّ رقبته من الربا أو من الدين، وحرّم بيع الأطفال والنساء. كل هذا حرام، سدّ الأبواب.

ولم يبقَ إلا شأن واحد للمعاملة بالمثل في العالم، وهو ما كان عن طريق الأسر في حرب مشروعة. إذا حرب المسلمين بعضهم مع بعض غير مشروعة، ولذلك لا يقع فيها الرق.

تصرف ولي الأمر في الأسرى بين المبادلة والفداء والعفو

حسنًا، الآن جميع الأبواب مسدودة إلا الحرب، ثم سُدّت جميع الأنواع مرة أخرى في الحرب وجُعل للإمام التصرف.

حسنًا، أنا قابض على بعض الأسرى مائة، لكنهم قابضون على مائتين مني، فأبادلهم أن أقول لهم: ما رأيكم أن تأخذوا المائة التي لكم وتردّوا لي المائتين خاصتي؟ بدلًا من أن يستعبدوا مائتي واحد من أهلي، تكون هذه هي الحكمة هكذا.

أو أنني أسرتُ مائة منهم وهم لم يأسروا أحدًا، ولكن خزانة الدولة تحتاج إلى الفداء:

﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: 4]

فلمّا آتي أقول له: لا، نعقد صفقة، أردّ لك المائة وتدفع لي عن كل واحد مليون دولار، فتدخل خزينة الدولة مائة مليون دولار. أقول: أحسن من أن أربّيهم عندي وأطعمهم وأسقيهم وهكذا. فلماذا لا أعطيهم الأسرى مقابل الأموال وأعوّض قليلًا من خسارة الحرب؟

صلاحية ولي الأمر في العفو عن الأسرى أو ضرب الرق عليهم

وهكذا أبدًا، يستطيع ولي الأمر أن يفعل في هؤلاء [الأسرى] ما يشاء. ومن ضمن ذلك أنه يعفو مجانًا. لماذا؟ حتى تكون لنا رؤية في العالم والناس تقول: الله، هؤلاء الناس، هؤلاء ناس طيبون. ممكن، ولكن هذا كله تقديرات سياسية خاصة بالرجل السياسي، انظر ما الحكاية.

وممكن أن يضرب الرق عليهم أو على بعضهم. فلو ضرب الرق ووزّعها على المحاربين، فيجوز للرجل أن يدخل بأمته، ولا يجوز للعبد أن يدخل بسيدته، لا يجوز.

شروط زواج العبد من الحرة وجواز ضم النسوة إلى حل النكاح

إذا أراد العبد أن يتزوج حرة فليتزوجها، ولكن بشروطه؛ فننظر هل هو مسلم أم غير مسلم، وننظر هل هو كفء أم غير كفء، وننظر وسيدفع مهرًا وأشياء كهذه.

إنما يجوز للرجال أن يضمّوا، أن يضمّوا تلك النسوة إلى حلّ الزواج أو حلّ النكاح. والنكاح أوسع من الزواج؛ لأنه يُطلق على العقد ويُطلق على الوطء.

دعوة إبراهام لنكولن لتحرير العبيد وموقف الإسلام السابق لها

في هذا النظام جاء رجل يُدعى إبراهام لنكولن ودعا قائلًا: يا إخواننا لا نريد عبودية ولا نريد هذا. فقلنا له: يا أخي كأنك جئت من السماء! فنحن نقول هذا منذ زمن طويل، ونقول إنه يجب تحرير العبيد وإطلاق سراح العبيد، ومن أساء إلى العبد يجب أن يعتقه وأشياء مثل هذه.

هكذا فنادى بالعتق فوافقناه جميعًا، في ألف ثمانمائة اثنين وخمسين وشيء من هذا القبيل صدرت الاتفاقيات الدولية، ذهبنا موقّعين جميعنا عليها، وانتهى الرق بالمصائب، والحمد لله رب العالمين.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.