سورة النساء | حـ 638 | 35 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 638 | 35 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يوصي الله تعالى في سورة النساء بتعيين لجنة تحكيم محايدة عند خوف الشقاق بين الزوجين بقوله: "وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها".
  • يجب أن تكون لجنة التحكيم عادلة ومحايدة وخالية من التحيز، فالتحيز يحجب العدل.
  • ينبغي اختيار حكم من كل طرف وحكم محايد من الخارج، مع ضرورة اتصاف الحكام بالحكمة.
  • من صفات الحكيم الاستماع لكلا الطرفين وعدم التعجل في الحكم والأناة في دراسة القضية.
  • الحلم والأناة من أهم مكونات الحكم العادل، فالحكيم لا يغضب ولا يتسرع ولا يستعظم المشكلة.
  • يجب على الحكم إخلاص النية لله، فالإخلاص يضفي بركة على الأعمال.
  • البركة أمر معنوي من الله تجعل القليل كافياً، وقد قال النبي: "طعام الاثنين يكفي الثلاثة".
  • قال تعالى: "إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما"، فالإصلاح مرتبط بإرادة الزوجين وليس الحكمين فقط.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة في آية التحكيم بين الزوجين من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى من أجل أن نتدارك ما يحدث في الأسرة من احتمال الخلل قبل حدوثه:

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ [النساء: 35]

إذا رُوعِيَ في لجنة التحكيم أن تكون محايدة وأن تكون عادلة وألا يكون هناك تحيز؛ فإن التحيز يغشي على العدل.

أمر الله بإزالة كل ما يغشي على العدل من هوى وتحيز وغيظ

والله سبحانه وتعالى أمرنا أن نزيل كل ما يغشي على العدل: الهوى والتحيز والقرابة والغيظ، كل شيء يغشي على العدل.

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]

﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]

معنى كلمة حَكَم وعلاقتها بالحكمة في القرآن الكريم

﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾، وهذه الكلمة «حَكَم» من ثلاثة أحرف لكنها من ذات الجذر الذي منه الحكمة.

﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]

فالحَكَم فيه حكمة وهو يحكم بين الناس بالعدل. إذن فلا بد أول صفة عند اختيار هذه اللجنة [لجنة التحكيم بين الزوجين] ينبغي أن تكون محايدة، وأن يكون عضو من هنا [من أهل الزوج] وعضو من هناك [من أهل الزوجة]، وأن يكون من الخارج لأن فيهم بعثًا، وأن يكون حكيمًا.

شأن الحكيم في الاستماع إلى الطرفين وعدم التعجل في الحكم

وما شأن الحكيم؟ شأن الحكيم فيه أناة؛ أنه عندما يجلس ويستمع إلى أحد الطرفين فإنه ينتظر الاستماع إلى الطرف الآخر ولا يتعجل.

أما لو استمع إلى طرف ثم تأثر وأغلق نفسه، فإنه يكون متحيزًا غير قادر على أن يستمع للآخر؛ هذه ليست حكمة.

قصة القاضي الذي نُصح بعدم التسرع في الحكم قبل سماع الطرف الآخر

وقالوا لأحد القضاة: أنه لو جاءك أحدهم يمسك عينه بيده يتهم بها فلانًا، فلا تحكم له. يا حضرة القاضي، فلان فقأ عيني وعيني هاهي في يدي هاهي! لا يُحكم له حتى يُرى الآخر.

فلعله أخذ عينيه [أي الطرف الآخر]، يمكن أن يكون [المدّعى عليه] ضربه في عينيه هكذا وأخذ عينيه الاثنتين وأعماه، فمدّ يده فجاءت في عينيه [أي عين المدّعى عليه]. هذه أنا لست أعرف ما هو، أنا حاضر فيجب أن أتأنى.

فيقول لي: تتأنى في ماذا؟ ما هي عيني هاهنا والناس شاهدة أنه هو الذي أخذ عيني! فلننتظر، فلنسمع الآخر. أخذ عينك، لماذا؟ ألا يمكن أن تكون أنت أخذت عينيه؟

من صفات الحكم الحكمة والأناة والحلم وعدم التسرع في إصدار الأحكام

عندما يصبح [الأمر واضحًا] يثبت أنه لا أو أنه نعم وأنه كذا، انتظر قليلًا في حكمة. فمن الحكمة الأناة، ومن الحكمة الحلم؛ أن يبقى الإنسان لا يغضب ولا يتسرع ولا يستعظم المشكلة، بل يعالج كل الأمور بهدوء ونفس هادئة حليمة تتقبل الأمور على ما هي عليه رضًا وتسليمًا بأمر الله وقضائه.

ما يقول: ما هذا؟ ما هذا؟ أنتما الاثنان لعنة! ما هذا؟ ما الذي يحدث؟ هذا لا! ويقرر الانسحاب، أو يدّعي هو التقوى أنه أتقى منهم، يعني أو كذلك. أبدًا [لا ينبغي ذلك].

حديث النبي عن الحلم والأناة وصفات الحكم العادل في لجنة التحكيم

ولذلك في الأشجّ عبد القيس يقول [النبي ﷺ]:

قال رسول الله ﷺ: «خصلتان فيك يحبهما الله: الحلم والأناة»

يعني حليم هكذا ولديه أناة؛ عندما تأتي الأمور يدرسها ويسمع من الطرفين أولًا، يفكر ويعطي نفسه مساحة للتفكير، ولا يحكم هكذا وهو جالس هكذا على البديهة بخبراته السابقة.

فالحلم والأناة هذه مكونات الحَكَم حتى يكون عادلًا ولا يشوب عدله [شيء]. ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾.

إخلاص النية لله يضفي البركة على أعمال الحكم والإصلاح بين الزوجين

من ضمن الأمور التي يجب أن يتصف بها الحَكَم إخلاص النية؛ لأن إخلاص النية لله يُضفي على الأعمال بركة، يُضفي على الأعمال يُمنًا وسعادة.

ما هذه البركة؟ هذه البركة شيء من عند ربنا، ولأنها نُزعت من كثير من الناس فكثير من الناس غير متصورين [حقيقتها]. الناس عادةً الآن قاسية القلب، يكافحون من أجل الدنيا؛ لأن يا عيني يأخذون الشيء من فم الأسد غلابة، المساكين! البركة لا يعرفونها، لم يروها.

قصة نزع البركة من الطعام والفرق بين الماضي والحاضر

واحد يقول لي: هذا نحن كنا نُحضر رطل اللحم فكان يكفي ستة أشخاص، الآن نحن أصبحنا اثنين أنا وزوجتي نُحضر كيلو اللحم لا يكفينا!

فما الذي حدث إذن؟ المسألة ليست مسألة كمية، وزن الرطل حوالي أربعمائة جرام أم ماذا. هذه المسألة أصبحت مسألة فيها شيء غيبي؛ البركة التي كانت في هذا [الرطل] مختلفة عن البركة التي في هذا [الكيلو].

النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

قال رسول الله ﷺ: «طعام الاثنين يكفي الثلاثة»

هذه بركة.

حديث المؤمن يأكل في معدة واحدة والكافر في سبعة أمعاء وظهور البركة

أما يقول [النبي ﷺ]:

قال رسول الله ﷺ: «الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معدة واحدة»

ما هذا؟ لماذا؟ بركة، فيه بركة. البركة هذه كانت ظاهرة جدًا لدرجة أن الناس لا، ما كانوا ينكرون الغيب. كان كل أهل الأرض يسمونه عهد الإيمان؛ كل أهل الأرض مؤمنون بشيء، مؤمنون بشيء.

نزع البركة وتشيؤ الإنسان نتيجة عدم ربط الأمور بالله تعالى

ولكن لمّا نُزعت البركة تحوّل الإنسان إلى شيء سمّوه تشيُّؤ الإنسان؛ أصبح شيئًا، وهذا الشيء ليس فيه بركة.

ولذلك الذي حُرم البركة أو يريد أن يحرم نفسه منها أو لا يريد أن يدخل فيها، كل ذلك يعني أنه ناتج من عدم ربط الأمور بالله سبحانه وتعالى.

آية إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما ومن المقصود بالإرادة

ولذلك قال تعالى:

﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلَـٰحًا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ﴾ [النساء: 35]

فمن الذي يريد الإصلاح؟ الزوجان وليس الحَكَمان، وسنفصّل الكلام تفصيلًا في مرة أخرى.

ورحمة الله وبركاته.