سورة النساء | حـ 632 | 34 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •في سورة النساء يبين الله الصفات الصالحة للرجل والمرأة، وأن الانحراف عن الجادة ينبغي أن يكون خلاف الأصل.
- •الآية تقول "واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن" وليس "واللاتي نشزن"، فالتوجيه جاء لمجرد خوف النشوز.
- •تعامل الزوج مع زوجته يتنوع بين الوعظ والهجر في المضاجع والضرب.
- •وقف كثير من الناس عند هذه الأمور ظانين أنها مراحل متتابعة، لكن الآية استخدمت حرف الواو الذي يفيد مطلق الجمع وليس الترتيب.
- •النص يخاطب أناساً مختلفين في طبائعهم وثقافاتهم وعقلياتهم عبر الأزمنة والأمكنة.
- •هذا التنوع يقتضي التخيير، فهناك مجتمعات ترى ضرب المرأة جريمة، وأخرى لا تعرف غضب الرجل إلا به.
- •الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وإرشاد الله تعالى يستوعب جميع الحالات.
- •لا مانع من عدم الضرب إلى يوم الدين وهذا فهم للكتاب يأتي من اللغة.
مقدمة في بيان صفات الرجل والمرأة الصالحة من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يبين لنا الصفات الصالحة للرجل والصفات الصالحة للمرأة، ويبين لنا أن الأمر لا يكون على ذلك دائمًا، وأن في بعض الأحيان ينحرف الإنسان عن الجادة والصواب.
لكن الانحراف ينبغي أن يكون خلاف الأصل؛ خمسة في المائة، عشرة في المائة، لكن ألا يعمّ ويطغى حتى يكون هو المكوّن الأساسي لعقلية الناس، والصالح عشرة في المائة فقط؛ هذا يصبح مجتمعًا منهارًا.
معنى قوله تعالى واللاتي تخافون نشوزهن والفرق بين الخوف والوقوع
يقول [الله تعالى]:
﴿وَٱلَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: 34]
اعظ هذه المرأة، واللاتي نشزن وليس واللاتي تخافون نشوزهن، لا، هذا يقول تخافون نشوزهن؛ فتكون العينة بيّنة.
قال له: خذ اقرأ الرسالة، قال له: ما هو ظاهر وبيّن، يعني العنوان الخاص بالرسالة يعرف ماذا من عنوانه. واحد أرسل له الرسالة: حضرة الفاضل المحترم فلان، والآخر أرسل له الرسالة: حضرة وجلس كذا وكذا، يا الله أنت تشتم! إذن أنا قبل أن تجلس لتشتمني ينبغي أن تعرف ما بداخلك، فالجواب يُعرف من عنوانه.
حكمة العامة في معرفة حال الإنسان من ظاهره وأمثلة على ذلك
فأحيانًا العامة هكذا يأتون بأشياء جميلة خفيفة، نعم ولكن لها حكمة بليغة. يقول لك: على وجهك يظهر يا ماضغ اللبان، وواحد جالس يمضغ اللبان، فهو واضح أنك تمضغ لبانًا هكذا.
فقال له: كيف عرفت ذلك؟ نعم، ففي التي تسير بشكل صحيح تسير جيدًا، والأخرى لا تسير جيدًا.
صفات المرأة المدبرة وأهمية التدبير في البيت وعدم الإسراف في الطعام
والمرأة أيضًا من عندنا هكذا في البلد يقول لك: الرجل بحر والمرأة شطآنه، يعني الرجل ينفق ليكون كريمًا هكذا، والمرأة ماذا؟ لا، تجمع وتدبّر. المرأة المدبّرة هذه ويفعلون أشياء غريبة.
المرأة المدبّرة هذه رأينا، قال [الله تعالى]:
﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا﴾ [الأعراف: 31]
فلا يكون هناك خبز يُرمى في القمامة. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أكرموا الخبز»
يا الله! لماذا هكذا؟ لماذا هذا الإسراف؟ لا يوجد طعام يُرمى في القمامة.
أسباب فساد الطعام وصفات المرأة غير المدبرة من تبذير وقلة خبرة
حسنًا، ومتى نرمي الطعام في القمامة؟ عندما يبيت ويفسد. إذن المرأة التي تترك طعامها يفسد هكذا تكون غير مدبّرة.
يأتي [ذلك] من أين؟ من أنها تعمل أكثر من اللازم. رقم اثنين: ليس لديها خبرة لحفظ الطعام. رقم ثلاثة: أنها مستهينة؛ حتى لو لم يفسد يُرمى.
فيكون إذن التبذير والاستهانة وقلة الخبرة وعدم العناية، هذه صفات سيئة كلها. أهي ترى هكذا في الجو هكذا؟
مراحل التعامل مع النشوز بين الوعظ والهجر والتأديب في الآية الكريمة
فعظوهن، طيب وماذا أيضًا؟ قال:
﴿وَٱهْجُرُوهُنَّ﴾ [النساء: 34]
في أي [شيء]؟ غضبوا منه الوعظ والنصيحة؛ واحد رجل يعظ أهله وزوجته ينصح، والآخر الثاني في غضب. فطيب:
﴿وَٱضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34]
هذا في عقاب؛ يكون في نصيحة، وفي غضب وإظهار للغضب والسخط، وفي تأديب وعقاب.
ووقف كثير من الناس عند هذا ظانين أنها مراحل؛ أي الأول الموعظة، وبعدها الغضب والإظهار، وبعدها التأديب.
دلالة حرف الواو على التخيير والتنوع لا الترتيب في آية النشوز
وارد أن النص يحتمل هذا [الترتيب] لأنه مرتب وهو كذلك، ويحتمل أيضًا مع قوله "و"؛ ما قال "ثم". فلو كان قال "ثم" لكان الترتيب واضحًا انتهى الأمر.
لكن هنا قال "و"، والواو تدل على مطلق الجمع، ومطلق الجمع هذا لا يقتضي ترتيبًا وإنما يقتضي تنوعًا؛ يعني هذا نوع وهذا نوع وهذا نوع.
في هذا [الخطاب] يخاطب من؟ قال: يخاطب العالمين إلى يوم الدين. إذن فهو يخاطب أناسًا مختلفين في طبائعهم، في ثقافتهم، في عقليتهم، في مبادئهم، في شعورهم، في طريقة التربية وهكذا.
تنوع المجتمعات واستيعاب الإسلام لاختلاف الثقافات عبر التاريخ
فهناك ناس سوف تأخذ من هذا النص مبادئها، وهناك ناس سيأتيهم هذا النص وهم قد استقرت مبادئهم لديهم.
دخل الصحابة فارس فصلّوا سراويلهم، يعني عندما دخلوا فارس وجدوا فارس جاهزة؛ أي لها ثقافتها ولها سراويلها ولها كذلك، عاشوا معها. ودخلوا مصر فاختلطوا بأقباط مصر، وجدوا هؤلاء يلبسون هكذا شيئًا يسمى القباطي؛ شيئًا مثل الجبة هكذا، لبسوا الجبة.
فهم داخلون وجدوا بلدًا كاملة، وليسوا داخلين لكي ينشئوا مجتمعًا. بعد هذه المبادئ طيبة.
دلالة حرف الواو على التخيير وعدم إلزام الترتيب في أحكام النشوز
وهذا يعني ماذا؟ يعني ما دام هناك تنوع، ما دام استعمل حرف الواو، ما دام لم يقيّد في صورة الترتيب، فهو لا يحتم واحدة منها.
وهذا الذي يسمونه التخيير؛ التنوع هنا يقتضي التخيير. ففي مجتمعات مثل المجتمعات الآن ترى أن ضرب المرأة جريمة، لا يصح أن يكون؛ دعه لأنه لم يلزمني به، ذلك أرشدني إليه.
ما رأيك في مجتمعات المرأة لا تعرف غضب الرجل إلا بالتأديب؟ هي هكذا وقد تعلمت في بيتها، وعندهم أنه إن لم يضربها على كتفها هكذا فإنه ليس غاضبًا ولا شيء، إنه يتدلل. في هذا وفي ذاك، فالإسلام لكل زمان ومكان.
جواز ترك بعض الأحكام بذهاب محلها وتطبيق ذلك على مسألة الضرب
حسنًا، وهذا لا يعني أن هذا الضرب قد انتهى فلا يكون منه لكم. فقد أمرنا الله بتحرير الرقبة وليس هناك رقاب الآن. أمرنا الله بعمل شيء معين في الذهب والفضة من عدم الزيادة، وليس هناك كذلك الآن ذهب ولا فضة بين الناس [كعملة متداولة]. أمرنا الله بأحكام معينة مع الخلافة والخلافة لا يوجد.
ما سيسمونه أثر ذهاب المحل في الحكم؛ فلا يوجد مانع من أن لا نضرب إلى يوم الدين ولا يحدث شيء. فهذا فهم لكتاب الله يأتي من اللغة.
خاتمة في أن الآية إرشاد من الحكيم العليم يستوعب جميع الحالات
وبعضهم قال: لا تضربوهن، وهذا له معنى آخر. وعلى كل حال فإن هذا هو إرشاد الحكيم العليم سبحانه وتعالى ليستوعب به في جميع الحالات.
فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
