سورة النساء | حـ 643 | 36 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الآية الكريمة في سورة النساء ترسم منهجاً متكاملاً لبناء المجتمع السليم، بدءاً بعبادة الله وحده وعدم الإشراك به.
- •يقوم المجتمع على أعمدة أساسية: الأسرة القوية، والعائلة، والأسرة البديلة لليتامى، والرعاية الاجتماعية.
- •العلاقات البينية بين هذه الأعمدة ضرورية لتماسك المجتمع، فلا يكفي وجود نقاط قوة منفصلة.
- •الإسلام ينبه إلى أهمية العلاقة مع الجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب.
- •يتدرج التكليف من الفرد إلى المجموعة إلى الجماعة، حيث ينتقل الإنسان من المسؤولية الفردية إلى المسؤولية الجماعية.
- •العبادات في الإسلام تؤكد العمل الجماعي: الصلاة، الصوم، الزكاة، الحج.
- •المسلم عليه تكليفان: تكليف فردي كالصلاة والصوم، وتكليف جماعي كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- •العلاقات الإنسانية في العمل والمجتمع من صميم التعاليم الإسلامية التي تؤسس للتعايش والتكافل.
مقدمة في بناء المجتمع السليم من خلال سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو أصدق القائلين، يعلمنا كيف نبني المجتمع السليم:
﴿وَٱعْبُدُوا ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْـًٔا﴾ [النساء: 36]
وجعلها [سبحانه] أساسًا ومدخلًا لبناء المجتمع السليم.
﴿وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ﴾ [النساء: 36]
فرسم لنا نقاط القوة: من الأسرة، في العائلة، في العائلة البديلة أو الأسرة البديلة في اليتم، ثم بعد ذلك تقوية الأسرة بالأمن الاجتماعي والرعاية الاجتماعية؛ فتشكل بذلك أعمدة يقوم عليها المجتمع.
أهمية العلاقات البينية بين نقاط القوة في المجتمع
لكن لا بد من هذه الأعمدة أن تتصل، أن يكون هناك علاقات بينية بين هذه القوى. فخرج [الخطاب القرآني] من أسرة قوية وعائلة قوية وعائلة بديلة قوية ورعاية اجتماعية إلى الربط بين تلك النقاط القوية حتى يتم الأمر.
أمرنا هنا بذلك، لكنه [سبحانه] علمنا أننا عندما نحلل وعندما نتحدث عن نقاط مختلفة لا ننسى العلاقات البينية بينها. وهذا آخر ما توصلوا إليه في الإدارة [الحديثة]: الانتباه إلى العلاقات البينية، وأن تجريد الأمور في صورة نقاط يسمونه التجريد الأكاديمي؛ أي أن هذا شيء ذهني، ولكن في الخارج يكون كله متصلًا ببعضه البعض. خلق الله هكذا، فذهب [سبحانه] ينبهنا إلى ذلك.
مفهوم الجار ذي القربى وتشكيل الحي كهيئة اجتماعية
فيقول [سبحانه]:
﴿وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [النساء: 36]
أي سأقيم علاقة بيني وبين الأسرة التي بجانبي. فقط التي تجاورني فقط، هكذا لو قال "والجار"، ولكن هذا قال "ذي القربى"؛ يعني أشكل معه هيئة جديدة التي عرفها العرب بكلمة "الحي".
أي يعني الحي هذا مجموعة من الأسر بجانب بعضها البعض تكون حيًّا. فالحي هذا يعمل لمصلحة هؤلاء جميعًا؛ فننتقل من الفرد إلى المجموعة إلى الجماعة.
الانتقال من العمل الفردي إلى العمل الجماعي في الإسلام
والانتقال من الفرد إلى المجموعة إلى الجماعة يعني معناه أننا أمة نعمل معًا. فكيف نعمل معًا؟ فكان ينبغي علينا أن نكتب كيف يعمل الفريق.
ولدينا إذن صلاة الجماعة: ولينوا في أيدي إخوانكم، لا تختلفوا فتختلف قلوبكم. انظر، تحولت هذه [العبادة] إلى إدارة إلى تدريب.
لدينا القتال في سبيل الله:
﴿صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4]
لدينا الحج، لدينا الزكاة، لدينا:
«صوموا لرؤيته» بالجمع كذلك، «وأفطروا لرؤيته» أيضًا بالجمع كذلك.
فإذا كان هذا فإننا أُمرنا بأن نعمل معًا.
التكاليف الفردية والجماعية ومسؤولية المسلم تجاه الجماعة
تكاليف الفرد ليست كتكاليفه في جماعة؛ أي أن لديك تكليفين: تكليف راجع إلى الفرد: توضأ وصلِّ وصُم وزكِّ وحُجَّ، ولا تكذب ولا تسرق ولا تقتل. هذا نعم، هذا فرد كذلك.
ولكنك في جماعة عليك مسؤولية أخرى، منها:
- •الأمر بالمعروف
- •النهي عن المنكر
- •النصيحة
- •رعاية الشؤون
- •العناية بالآخرين
فيبقى الإحسان هنا سيمتد للجار ذي القربى. انظر، عندما يأتي الجار ذو القربى هنا فهذا يأتي في مكانه المناسب، وهو يرسم خريطة واسعة من العلاقات الاجتماعية.
الفرق بين الجار الجنب والجار ذي القربى في التكلفة والعلاقة
والجار الجنب يعني الذي يشارك معك، الجار كتفه في كتفك. يعني يبقى هناك جار غير مشترك معك بأنك أنت تبقى في بيت وهو في بيت بجانبك، لكن الآخر هذا في عمارة واحدة.
فإذا كان هو [سبحانه] قال لي عن البعيد: أصل البعيد تكلفته قليلة، الجار ذي القربى تكلفته قليلة؛ يمكن أن تقول "صباح الخير يا جار"، أنت في حالك وأنا في حالي، يمكن أن تتدخل مرة واحدة كل سنة.
لكن الجار المجاور هذا تكلفته كبيرة، فيقول لك: لا عفوًا، فأنا أحل له مشكلتين في السنة، لكن هذا متواجد في العمارة دائمًا، دائمًا أمامي كتف بكتف، ليس لدي وقت. نعم، يجب أن تتفرغ له لأنه أصبح جزءًا منك. هذا هو الجار الجنب.
الصاحب بالجنب وأنواع العلاقات في العمل والمسجد والسفر
والصاحب بالجنب، طيب ما هو ليس جارًا، لكن أغلب النهار معك. أين؟ في العمل، أو في المسجد، أو في المدرسة، أو في السفر.
صاحبك هو ليس ساكنًا بجانبك، هو ليس مقيمًا معك ويلازمك؛ فلا بد أن تكون هناك علاقة.
بعد ذلك فماذا فعلوا هناك في الإدارة [الحديثة]؟ فعلوا شيئًا يسمى العلاقات الإنسانية. العلاقات الإنسانية: ما علاقتك في العمل مع رئيسك، مع زميلك، مع مرؤوسك، مع الآخرين الذين تتعامل معهم؟
قصة الدكتور ماهر عليش ودراسة العلاقات الإنسانية في أمريكا
أعطِ الصديق المجاور كلمة واحدة: كان لدينا أستاذ عظيم رحمه الله، كان اسمه الدكتور ماهر عليش، وكان يدرس لنا العلاقات الإنسانية في العمل.
فقال: إنني عندما ذهبت لكي أحصل على الدكتوراه من أمريكا، اخترت موضوع العلاقات الإنسانية لأنه علم جديد آنذاك، ولكي أكون متخصصًا فيه، وله عشرة كتب أو نحو ذلك أقرؤها وأكتب الرسالة وأذهب.
فلما خرج من المكتبة قال للرجل [أمين المكتبة]، قال له: ماذا تريد؟ قال له: أكتب في العلاقات الإنسانية. ولكن الكتب يرحمك الله الخاصة بالعلاقات الإنسانية؟ قال له: نعم، يعني في العلاقات الإنسانية. التي هي ماذا؟ يعني ماذا تعني كتب؟ قال له: الكتب الخاصة بالعلاقات الإنسانية.
العلاقات الإنسانية ليست في الكتب بل في واقع الناس وعملهم
قال له: حسنًا تعال. وأصعده إلى طابق منفصل، كان حينها يقول: تمشي فيه عربة رمسيس. عربة رمسيس كانت عربة قديمة كهذه تسير هناك. عربة رمسيس!
قال له: هذا كله علاقات إنسانية! انظر إلى الناس الذين يعملون، انظر إلى الناس الذين يحولون المفاهيم ولا يشغلون أنفسهم بتوافه الأمور وبما لا يُبنى عليه عمل. وهكذا.
ماذا سنقول أم ماذا؟ نقول: لا حول ولا قوة بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، سيغنينا الله من فضله ورسوله. وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
