سورة النساء | حـ 665 | 47 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 665 | 47 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • تفسير قوله تعالى "يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم" يوضح أن كلمة "أوتوا" تعني وصول الكتاب بصورة واضحة لافتة للنظر.
  • المؤمن الحقيقي يجب أن يتحلى بالحساسية الروحية كما استشعر ورقة بن نوفل عند سماعه القرآن، فقال: "إن هذا والناموس الذي أنزل على موسى قد خرج من مشكاة واحدة".
  • النجاشي ملك الحبشة أدرك وحدة مصدر الوحي عندما سمع آيات القرآن، وقال: "إن هذا والذي أنزل على عيسى ليس بينهما شيء".
  • الإسلام لا يأمر بتغيير الهوية بل بالسير على الصراط المستقيم مع النور والحساسية الروحية.
  • تحذير من مغبة تلبيس الحق بالباطل وكتمان الحق، فهذا كذب ينافي تعاليم الأديان.
  • الكاذب والمحرف للحقائق الدينية مهدد بالطمس، وهو فقدان الإدراك والحواس الروحية.
  • أمر الله نافذ، والهداية من الله وحده.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة تلاوة آية من سورة النساء في مخاطبة أهل الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ ءَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم﴾ [النساء: 47]

معنى كلمة أوتوا ودلالتها على وصول الكتاب بصورة واضحة لا عذر معها

يستوقفنا في الآية كلمة «أوتوا»، والإتيان معناه الوصول بصورة لافتة للنظر؛ إذا وصل الكتاب إليهم بصورة لافتة للنظر فلا ينفع معه الاعتذار أمام الله بأن الكتاب لم يصل؛ لأنه أتاه وقد أوتيه.

وأوتيه تعني استلمه، فهو موجود ومقدور عليه، والمقدور عليه هذا يعني أنه [وصل إليه] بصورة واضحة لافتة للنظر وليس بصورة غامضة.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ ءَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم﴾ [النساء: 47]

ورقة بن نوفل يشهد بأن القرآن والتوراة من مشكاة واحدة عند سماع الوحي

يجب أن نؤمن بما استشعره ورقة بن نوفل عندما سمع كلام الله من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الوحي، فقال كلمته الشهيرة التي تدل على نور في القلب وشفافية وحساسية في السمع.

فلما استمع إلى الكلام [الذي نزل على النبي ﷺ] قال:

«والله إن هذا والناموس الذي أُنزل على موسى قد خرجا من مشكاة واحدة.»

يعني لما سمع هذا الكلام الذي أسمعه [من القرآن]، يا الله يا أخي! هذا أنا سمعته من قبل أم ماذا؟ ها، ما هو! انظر الحساسية هذه للأذن، ليست حساسية أذن فحسب بل نور في القلب.

قصة النجاشي ملك الحبشة وإسلامه عند سماعه القرآن من الصحابة

كلام النجاشي، من هو؟ هو [ملك] الحبشي النجاشي. النجاشي يقول ماذا؟ أنجشة هذا كان يسوق الإبل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن هذا [الذي نتحدث عنه] كان الحبشي اسمه ماذا؟ النجاشي.

النجاشي أسلم في النهاية عندما سمع من الصحابة الكرام، عندما ذهب عمرو بن العاص قبل الإسلام، قبل أن يسلم، وحاول أن يوقع فتنة بين النجاشي وبين المسلمين الذي آواهم في مملكته. فقال لهم [النجاشي]: تعالوا اقرؤوا معكم ماذا [من القرآن]؟ فقرؤوا له من سورة الأنعام وقرؤوا له من سورة مريم وهكذا، موجود في السيرة.

النجاشي يشهد بأن القرآن والإنجيل من مصدر واحد بحساسية قلبه ونوره

حساسية في الأذن، شفافية في التلقي، نور في القلب؛ أمسك [النجاشي] عودًا هكذا وخطّ خطًّا هكذا هو في الأرض وقال:

«والله إن هذا والذي أُنزل على عيسى ليس بينهما شيء.»

ما معنى هذا؟ هذا هو الوجه الآخر له [لكلام ورقة بن نوفل]، أي أنه رسم خطًّا هكذا، أي لا يوجد شيء بينهما، لا توجد مسافة، لا توجد مسافة بينهما، لا فجوة، بل هو خط هكذا، أي كما تقول هذا بالعربية وهذا بالسريانية، شيء من هذا القبيل.

النجاشي كان يعرف العربية لأنه تربى في بلاد العرب وقصة فراره

فهذه الناس عندما سمعت [القرآن]، صح، ويأتي أحدهم يقول لي:

هل كان النجاشي يعرف العربية أم ترجموا له؟

لا، النجاشي فرّ من بلاده إلى اليمن؛ لأنه كان هناك خلاف بينه وبين ابن عمه، وعاد مرة أخرى عندما انتصر على ابن عمه. كما كانت هناك مشاكل بعد ذلك، حتى أن المسلمين حضروا وقاتلوا مع النجاشي في أحد المعارك، والمعركة الثانية انتصر النجاشي وفرح المسلمون جدًّا. وهذه نأخذ منها أحكام المواطنة، أحكام كثيرة في المواطنة.

النجاشي تربّى في بلاد العرب ويعرف العربية، فلما سمع الكلام الجميل انبهر به وبكى.

تفسير مصدقا لما معكم وأن الإسلام لا يطلب تغيير الهوية بل يكمل الحق

ونزل في قسيسيه:

﴿تَرَىٰٓ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ ٱلْحَقِّ﴾ [المائدة: 83]

فيقول [الله تعالى]: انتبهوا «أوتوا» وانتبهوا «مصدقًا لما معكم»؛ فإنني لا آمركم بأن تغيّروا هويتكم أو تخرجوا من ذاتكم أو تنتقلوا من شيء غريب إلى شيء أغرب، أبدًا.

بل امشوا فقط على صراطكم المستقيم والزموه، مع شيء من النور والحساسية والشفافية، تجدوا أن أرواحكم قد قبلت هذا.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ ءَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: 47]

التحذير من الكذب ولبس الحق بالباطل وكتمان الحق في جميع الأديان

آه، لا نلعب إذن؛ لأن الأمر جدّي. لا نشوّش، دعونا لا نكذب؛ الكذب حرام في جميع الأديان. دعونا لا نلبس الحق بالباطل ونكتم الحق ونحن نعلم، دعونا لا نفعل هكذا؛ تصبح مسألة متعبة.

﴿لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71]

كفى كفًا! عمل قنوات فضائية نشتم فيها في الإسلام، ونأتي من الشرق ومن الغرب، ونكتب سطرًا ونترك السطر الآخر، ونكذب ونقدّم ونؤخّر، ونستعمل كلامًا في الترجمة غير موجود. فلا تفعل ذلك؛ لأن هذا اسمه كذب واسمه شيء قبيح، انتهى. لا تفعل ذلك؛ لأنه ليس حسنًا، ولم يأمر به نبيّ، ولم يكن أبدًا في كتاب [من كتب الله].

عاقبة الكذب المستمر إطفاء نور القلب وتعطيل الحواس والإدراك

يبقى الذي يكذب فأين سيذهب؟ يذهب إلى جهنم إن شاء الله، عيب الكذب فلنتجنبه، حسنًا.

والذي سيظل يفعل ذلك [الكذب] كل حين؟ بعد فترة سيصدّق نفسه وسيبتعد عن النور، سيطفئ النور الذي في قلبه، وأذنه لن تعود تسمع. وسنتعامل مع شخص غريب الشكل، لا يسمع ولا عنده حساسية ولا شفافية ولا لديه نور في قلبه.

﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: 47]

انظر إلى كلمة «نطمس»، أي أغلقها تمامًا. ووجوه، والوجه فيه ماذا؟ الوجه فيه العينان فلن يرى، فيه الأنف فلن يشمّ، فيه اللسان فلن يتذوّق، فيه الأذن فلن يسمع. إذن الحواس تعطّلت، إذن الإدراك تعطّل.

نتيجة طمس الوجوه ردها على أدبارها ولعن المخالفين كأصحاب السبت والله هو الهادي

إذن هذا هل فيه فائدة؟ لا فائدة، فلتغلق التلفاز إذن.

﴿فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدْبَارِهَآ﴾ [النساء: 47]

لتنعكس [الوجوه]؛ بدلًا من أن يكون إنسانًا لا يكون إنسانًا، فالإنسان يفهم وقد خلقه الله ليدرك كي يفكّر، لن يكون هكذا.

﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: 47]

عندما يستمرون [في الكذب والتحريف] كما لعنا أصحاب السبت الذين خالفوا في السبت، وكان أمر الله مفعولًا.

إذن فالهادي من؟ الهادي هو الله سبحانه وتعالى. فالحمد لله، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.