سورة النساء | حـ 640 | 36 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 640 | 36 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • الإيمان بالله أساس الاجتماع البشري كما في قوله تعالى: "واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً".
  • غياب الإيمان بالله من المنظومة الاجتماعية يؤدي إلى النكد والنزاع والخصام وتدهور الأحوال.
  • قد تتقدم المجتمعات عسكرياً واقتصادياً مع غياب الإيمان، لكن ينتشر الحقد والحسد ويغيب الحب والتسامح.
  • بدون مرجعية إلهية، تصبح المصلحة شخصية وتختلف معاييرها بين الناس فينفرط الاجتماع البشري.
  • بعض الملحدين أقروا بحقيقة أن "الله ضرورة اجتماعية" بعد تجربة أثر غياب الإيمان.
  • الإيمان بالله مصدر للطمأنينة والراحة النفسية وسبب للنجاة من الضيق واليأس.
  • الفلاسفة الذين أنكروا وجود الله كنيتشه وفوكو انتهت حياتهم بالجنون أو الانتحار.
  • عبادة الله تحرر الإنسان من العبودية للشهوات والآخرين.
  • الإنكار ضد الفطرة التي خلق الله الناس عليها وضد ميراث البشرية.
  • كل حقيقة إيمانية يقابلها حقيقة عملية، والإحسان للوالدين نموذج عملي للإيمان.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

الإيمان بالله أساس الاجتماع البشري السليم في سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلمنا أسس الاجتماع البشري وما الذي يصلح به ويصلح له:

﴿وَٱعْبُدُوا ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْـًٔا﴾ [النساء: 36]

وكأن الإيمان بالله هو أساس الاجتماع البشري السليم، وأننا إذا ما أخرجنا قضية الإيمان بالله من منظومتنا الاجتماعية عشنا في نكد ونزاع وخصام وتدهور الحال.

غياب الإيمان يؤدي إلى انهيار القيم وسيادة الحقد والأنانية

قد نستطيع أن نتقوى من ناحية العسكر أو القوة العسكرية، وقد نستطيع أن ننظم أنفسنا في القوة الاقتصادية، إلا أن الإنسان [بدون إيمان] سوف يموت أمام الله وأمام الإنسان، ولا يبقى منا إلا الحاقد والحاسد، ويرتفع منا الحب والتسامح والوئام.

ولا يصبح للحياة معنى إلا النكد وسوء الخاطر؛ لأننا ليس لدينا شيء نرجع إليه، وكل منا يرى المصلحة وفقًا لما يحصل على المنفعة منها. فوائد قوم عند قوم مصائب، ومصائب قوم عند قوم فوائد، فلا يصبح هناك مركز نرجع إليه، فإذا كان الأمر كذلك لانفرط الاجتماع البشري.

الملحدون أنفسهم أقروا بأن الله ضرورة اجتماعية لا غنى عنها

ولذلك ينبهنا الله سبحانه وتعالى إلى أن الإيمان بالله ضرورة من ضرورات الاجتماع البشري. وهكذا توصل بعض الملحدين إلى هذه الحقيقة التي أقرها الله، والله يقررها لنا على أنها حقيقة؛ لأن الله موجود فعلًا والإيمان به متعين فعلًا.

ولكن الملحد توصل إليها بعد أن [رأى] أثر وجود الإله في المجتمع، ووجد أيضًا وجرّب أثر نزع الإله من المجتمع. فلهم عبارة مشهورة في هذا تقول: "الله ضرورة اجتماعية".

من الذي يقول هذا الكلام؟ الملحدون، وإن الله أجبرهم على أن ينطقوا بالحق الحقيقي والثابت الموجود في الخارج فعلًا خارج الإنسان.

حتى من أنكر الله وألحد اضطر للعودة إلى الإقرار بوجوب الدعوة إليه

فإن الله ليس فكرة ولا وهمًا، فإنه سبحانه وتعالى موجود على الحقيقة، حتى أن من أنكره وكفر به وألحد بأسمائه سبحانه وتعالى رأى أنه لا بد أن يرجع مرة أخرى بعد إنكاره وكفره وإلحاده إلى وجوب الدعوة إليه.

ما هذا؟ هذا ذلّ، هذا نعم هذا إرغام المارد، يعني [إرغام] الجنّي العاتي، يعني إرغام المارد. من الذي أرغمه؟ والله هي [قدرة] ربنا [سبحانه وتعالى].

نعمة الإيمان والاطمئنان بالله عند ضيق الأمور والابتلاءات

أما نحن فإننا مطمئنون بالإيمان:

﴿وَٱعْبُدُوا ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْـًٔا﴾ [النساء: 36]

شيء جميل، هكذا في أمانة الله، ونعمة من نعم الله عليك أن هداك إلى الإيمان وإلى الإسلام وجعل قلبك هكذا مطمئنًا بالإيمان.

وعندما تضيق عليك الأمور وتكون عاصيًا وكل شيء، تقول: يا رب، ما أجملها! وما أجملها يا رب من قلبك فترتاح. وإلا فماذا يفعل غيرك؟ يذهب لينتحر، أو يقبل الذل، أو يسرف في حياته.

مصير الفلاسفة الملحدين مثل نيتشه وميشيل فوكو الذين أنكروا الله

كثير من الناس والفلاسفة الكبار فعلوا ذلك [الانتحار أو الجنون]. نيتشه جُنّ في آخر حياته، جُنّ وهو كان يدعو إلى فلسفة القوة، يقول لك: الإنسان الأمثل. الإنسان الأمثل ماذا يعني؟ يعني الرجل الكامل الافتراضي الذي لا يوجد مثله، كذلك سوبرمان، الرجل القوي، وبعد ذلك لا حول ولا قوة إلا بالله جُنّ عندما أنكر الإله.

ميشيل فوكو الذي طردوه من جامعة باريس وذهب إلى أمريكا وظل يكفر حتى انتحر، نهايته كذلك.

فهل كل فيلسوف انتحر وكل فيلسوف جُنّ؟ لا، ولكن هؤلاء القمم الذين دعوا إلى شيء جديد يقتل الإنسان أمام الإنسان ويخرجه من عبادة الله مرة واحدة فعلوا ذلك؛ لأن هذا ضد الفطرة التي خلق الله الناس عليها، وضد ميراث البشرية التي آمنت بالله، وضد ما أراده الله لهذا الكون، ولا يكون في كونه إلا ما أراد.

معنى الشرك بالله يشمل اتباع الهوى والخوف من غير الله

﴿وَٱعْبُدُوا ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْـًٔا﴾ [النساء: 36]

يعني الإشراك هنا [لا يقتصر على أن] يكون صنمًا ووثنًا، لا. هواك لا تشرك به [سبحانه وتعالى]، هواك، خوفك من غيره سبحانه وتعالى لا تشرك به، خوفك من غيره. كن حرًّا!

إذن فعبادة الله تجعلك إنسانًا حرًّا. بعض الناس يفهمون أن عبادة الله تجعلك عبدًا ذليلًا، عبدًا ذليلًا لرب العالمين! أنت لست منتبهًا:

﴿وَمَا قَدَرُوا ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِٓ﴾ [الأنعام: 91]

عبدًا ذليلًا لمن أحبّ [سبحانه وتعالى]، هذا أنا أحبه، ولكن لست عبدًا ذليلًا لا لنفسي ولا لشهواتي ولا للآخرين.

معنى الآخرين في عدم الشرك بالله وعلاقة الإيمان بالعمل والإحسان بالوالدين

من هم هؤلاء الآخرون؟ من هم الآخرون؟ هؤلاء الآخرون أناس كثيرون: أسرتي وأمتي ودولتي وقومي وجيراني، كل الناس والعالم كله، الآخر غيري يعني.

﴿وَٱعْبُدُوا ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْـًٔا﴾ [النساء: 36]

لأن الشيء يُطلق على كل شيء، على كل شيء.

﴿وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ [النساء: 36]

آمنّا، والإيمان محله القلب، والإيمان تصديق. فما الوجه الذي هو للتصديق من العمل؟ كل حقيقة إيمانية لها في مقابلها حقيقة عملية.

﴿وَٱعْبُدُوا ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْـًٔا﴾ [النساء: 36]

هذا إيمان، والعمل [المقابل له] فما هو؟

﴿وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ [النساء: 36]

والذي [نتناوله في] لقاء آخر. شيء نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.