سورة النساء | حـ 660 | 46 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •ينتقد النص اليهود الذين حرفوا كتابهم، مشيراً إلى أن التحريف يقع في النص أو في التأويل.
- •التحريف في النص يكون بالزيادة أو النقصان أو التقديم أو التأخير أو الأداء الذي يغير المعنى.
- •راعى المسلمون القرآن فنقلوه غضاً طرياً متواتراً، ورفضوا القراءات الشاذة وحذروا منها.
- •من معجزات القرآن حفظ الصبيان والأعاجم له، بينما لا يستطيع أحد حفظ ترجمته بأي لغة أخرى.
- •حفظ الله كتابه بتوفيقه وبإقامة علماء ألقى في قلوبهم الورع والتقديس.
- •يعظم المسلمون القرآن غاية التعظيم، فيضعونه فوق كل كتاب ويحترمونه احتراماً خاصاً.
- •هذا الاحترام يأتي من التربية، حيث يربي المسلمون أبناءهم على تعظيم القرآن.
- •التحريف في التأويل سيكون موضوع حلقات قادمة، مع بيان وقاية الله للمسلمين من ذلك التحريف.
مقدمة الحلقة وذم الخيانة التي تخلق بها بعض اليهود في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يَنعى على طائفة من اليهود؛ لأنهم قد تخلّقوا بخُلُق الخيانة لا بخُلُق الأمانة. والله لا يحب الخيانة من أيٍّ كان، ولذلك حذّرنا أن نقع في مثل ما وقعت فيه الأمم السابقة.
﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46]
يعني بعض الذين هادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه.
أنواع التحريف في النص وأمثلته من زيادة ونقصان وتقديم وتأخير
والتحريف [تحريف النصوص المقدسة] قد يكون في النص، وضربنا له في حلقة سابقة أمثلة:
- •زيادةً أو نقصانًا.
- •تقديمًا أو تأخيرًا.
- •أو أداءً حتى يختلف المعنى.
والحمد لله راعى المسلمون كل ذلك، فنقلوا لنا القرآن غضًّا طريًّا متواترًا، وأبَوا أن يفعلوا مثل هذا [التحريف الذي وقع فيه أهل الكتاب].
موقف العلماء من القراءات الشاذة وردها وتحذيرهم من القراءة بها
ولذلك نرى ما يُسمّى بـالقراءات الشاذة، وفي القراءات الشاذة ردّها العلماء وجعلوها في كتب مستقلة حتى لا يقرأ بها المسلمون، وحذّروا من القراءة بها، بل وبعضهم أبطل الصلاة إذا ما قُرئ بها.
[ومن أمثلة ذلك] في قوله تعالى:
﴿عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ﴾ [الأعراف: 156]
وفي القراءة الشاذة المردودة: «أُصيبُ به من أساء»، ما قرأ الثلاث نقاط — يعني ما كان فيه نقط قديمًا — فذهب [القارئ] قال: «أشاء»، قال: ماذا؟ «أساء». هذا خطأ.
الفرق بين الخطأ الذي لا يغير المعنى والخطأ الذي يغيره مع أمثلة قرآنية
هذا الخطأ [في قراءة «أساء» بدل «أشاء»] لا يغيّر شيئًا، يعني «عذابي أصيب به من أساء» — ما هي جميلة؟ هي في المعنى [مقبولة]، لكن خطأ غير وارد [في القراءة المتواترة].
إنما يرد شيء آخر ويتغيّر المعنى، فيقول مثلًا:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]
كيف يخشى اللهُ العلماءَ؟ هذا هو [لو قُرئت بتغيير الحركات]! إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ، هم الذين يخشون الله. هذا خطأ [في القراءة] والمعنى يحتاج إلى تأويل بأن الخشية هنا تعني مثلًا احترامًا أو التقدير أو كذلك إلى آخره. لا، دعونا من هذا الكلام.
﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]
هي المتواترة وهي التي موجودة، وما من شيء في العشرة [القراءات العشر المتواترة] إلا كذلك.
أمثلة على القراءات الشاذة غير الموجودة في القراءات العشر المتواترة
وجاءت «سكرة الحق بالموت» و«جاءت سكرة الموت بالحق» [والمتواتر هو]:
﴿وَجَآءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ بِٱلْحَقِّ﴾ [ق: 19]
«أَمَرْنا مُتْرَفيها ففسقوا فيها»، «أَمَرْنا مُتْرَفيها ففسقوا فيها» [والمتواتر هو]:
﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: 16]
كل هذه أشياء شاذة غير موجودة [في القراءات المتواترة].
[ومثال آخر]: «لقد جاءكم رسول من أَنْفَسِكم»، «لقد جاءكم رسول من أَنْفُسِكم» — من الناس الطيبين الذين فيكم — يعني هي جميلة، لكن ليست واردة، لم تَرِد. إذ ليس كل شيء جميل نقوله، لا.
مثال على القراءة المتواترة الواردة في التقديم والتأخير وعلم حروف القرآن
هذا الوارد [في القراءات المتواترة مثل قوله تعالى]:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: 111]
[وفي قراءة] حمزة: «فيُقتَلون ويَقتُلون»، نعم هذه واردة، تقديم وتأخير، هذه واردة من العشرة [القراءات العشر المتواترة].
هذا علمُ الله، فقد أصبح علمًا وله علمًا بأن في القرآن ثلاثمائة وخمسة وسبعين ألف حرف، وكل حرف وقف عنده المسلمون هكذا وعلّموه وعرفوه وضبطوه، كل حرف.
حفظ الله للقرآن بتوفيق العلماء وعدم ابتلاء المسلمين بتحريف كتابهم
حسنًا، الحمد لله الذي جعلنا من أمة عالمة.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]
لم يُبتلَ المسلمون بتحريف كتابهم، بل إن الله مكّنهم من حفظه بتمكينه سبحانه وتعالى لهم، فالفضل لله.
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
ما كان بمقدور المسلمين أن يقوم فيهم هؤلاء العلماء الذين يكتبون الشاطبية أو يكتبون الطيبة أو يكتبون النشر أو يكتبون المُقنع أو يكتبون المصحف أو يكتبوا هذه أشياء عجيبة غريبة [لولا توفيق الله لهم]. كيف؟! أيْ أن هناك أناسًا كذلك، وهؤلاء الناس يا أخي ناس كثيرون، ليس واحدًا ولا اثنين ولا ثلاثة.
من معجزات القرآن حفظ الصبيان والأعاجم له دون الترجمات الأخرى
ومن معجزات هذا الكتاب [القرآن الكريم] أنك ترى الصبي الصغير يحفظه، ما يوجد كتاب في العالم كذلك.
ومن معجزات هذا الكتاب أنك ترى الأعجمي الذي لا يعرف العربية يحفظه.
ومن معجزات ذلك الكتاب أنه لو [تُرجم] إلى لغة — وقد تُرجم إلى أكثر من مائة وثلاثين لغة — لا يستطيع أحد من أهل هذه اللغة أن يحفظ المترجَم.
ما هذه القصة؟ يحفظ [القرآن] الذي هو باللغة العربية التي لا يعرفها، ولا يستطيع أن يحفظ المترجَم الذي يعرفه!
هل رأيت أحدًا يحفظ القرآن بالإنجليزية؟ لا أحد يحفظ القرآن بالإنجليزية ولا بالفرنسية ولا بالياbanية [اليابانية]، لم يحدث أحد شيئًا [من ذلك].
حمد الله على حفظ القرآن وتعظيم المسلمين لكتاب الله العزيز
فالحمد لله الذي حفظ علينا كتابه بتوفيق منه سبحانه، بأن أقام من العلماء وألقى في قلوبهم الورع والتقديس لكتابه العزيز.
ولذلك تجد المسلمين يعظّمون الكتاب غاية التعظيم، فيضعونه فوق كل كتاب، ولو وقع من أحدهم تجده كأن مصيبة حدثت، ويُسرع ليرفعه ويُقبّله ويضعه فوق رأسه.
لماذا هكذا؟ احترامه الذي وضعه الله — احترام هذا الكتاب — في قلوب المسلمين. فيقول: «ناولني المصحف»، فيأتي حاملًا إياه ومُحضِرًا إياه لي هكذا [بأدب وتوقير]. أيُّ كتاب آخر يأتي راميًا إياه له: «خذ!» فيأتي في حجري. إذن يأتي هنا [بإهمال]، يأتي هنا [بإهمال]، يأتي [كيفما اتفق].
تربية الأبناء على تقديس القرآن واحترامه منذ الصغر
أما القرآن فلا يستطيع نفسيًّا من الداخل [أن يُلقيه]. فلماذا؟ صغارًا جئنا نلعب فيه فضُرِبنا أحد [الكبار] على أيدينا ضربة خفيفة هكذا، فهو لا! القرآن ها! قد حصل فينا بناء عقلي في تقديس هذا الكتاب.
ليس يعني ليس أيَّ إنسان مسلم أو غير مسلم حالما يراه ينبهر، لا، هذا يأتي من التربية. ربّينا أبناءنا وأنفسنا على الاحترام [لـ]هذا الكتاب وعلى تعظيمه.
وعلى أن مثل الواحد وهو يصلي ويأتي الطفل هكذا — ابن سنة أو سنتين — فيراك هكذا [ساجدًا أو راكعًا]، فهو يراه يصلي فينتظر، ينتظر حتى ينتهي. لماذا؟ لأنه فَهِم أن الذي على هذه الهيئة لا يتكلم، ليس أنه يتجاهله، [بل] لا يتكلم.
تربية القداسة والاحترام في نفوس الأطفال تجاه كتاب الله وشعائره
حالما يُدرك هكذا — ابن سنة وسنة ونصف أو سنتين — تجده يجلس ينتظر حتى ينتهي جدّه [من الصلاة]. فإذا كان هذا حالنا فنحن بذلك نربّي القداسة.
نعم، جميلة القداسة والاحترام.
خاتمة الحلقة والتمهيد للحديث عن التحريف في التأويل في الحلقة القادمة
أي:
﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46]
إذن فـالتحريف قد يكون في النص وقد يكون في التأويل.
وفي الحلقة القادمة نتحدث عن التحريف في التأويل، وكيف أن الله قد وقاهم [المسلمين] الله شرّ ذلك التحريف أيضًا.
فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
