سورة النساء | حـ 666 | 48 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 666 | 48 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • الله سبحانه وتعالى يقرر قاعدة عظيمة في سورة النساء تُبين طبيعة الإنسان الخطّاء، ويؤكد النبي ﷺ هذه الحقيقة بقوله: "كل بني آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون".
  • الخطيئة تكون عن قصد والخطأ يكون عن غير قصد، وفي كلتا الحالتين يفتح الله باب رحمته للتائبين.
  • لا يغفر الله أن يُشرك به، ويشترط التوحيد كأوراق اعتماد للعبد، لذلك كان أول أركان الإسلام الشهادتين.
  • يغفر الله ما دون الشرك "لمن يشاء"، وجاءت هذه العبارة لتمنع الإنسان من التجرؤ على المعصية.
  • المغفرة تكون للخطأ الناتج عن النسيان أو ضعف أمام الشهوة، وليس للمعصية المستحلة أو المستمرأة.
  • من يشرك بالله فقد افترى كذباً، لأن إثبات إله آخر غير الله مخالف للعقل والفطرة السليمة.
  • وصف الإثم بالعظيم لتعلقه بكل الأعمال وخطورته على الإنسان.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة الدرس وقاعدة أن كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر لنا قاعدة عظيمة نسير بها في حياتنا، والنبي صلى الله عليه وسلم يؤكدها فيقول:

قال رسول الله ﷺ: «كل بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون»

والخطّاؤون صيغة مبالغة على وزن "فعّال"، تعني كثير الخطيئة. والخطيئة تكون عن قصد، والخطأ يكون عن غير قصد. وسواء صدرت منك المخالفة عن قصد بأن كانت خطيئة، أو عن غير قصد بأن كان خطأً، فإن الله يفتح لك باب رحمته ويوسع غفرانه سبحانه وتعالى.

شرط التوحيد كأوراق اعتماد العبد عند الله لنيل المغفرة

إنما لا بد من شيء واحد أن تتقدم إلى [الله] سبحانه وتعالى به كأوراق اعتماد لك. وهذه الأوراق التي تُعتمد بها عبدًا لله معقولة المعنى، فيقول ربنا:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48]

فيجب أن تأتي إليه موحدًا فقط. ولذلك كان أول أركان الإسلام الشهادة أن لا إله إلا الله. نعم، هكذا هو.

وقرن الله اسم نبيه باسمه، ولا يتم الإسلام إلا بركنه صلى الله عليه وسلم، فقال: واشهد أن محمدًا رسول الله. اسمها الشهادة، لماذا؟ ما هو، ما لنا باب إليه [سبحانه وتعالى] إلا هو صلى الله عليه وسلم: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

مغفرة الله لما دون الشرك وبيان أمثلة الكبائر التي تُقبل التوبة منها

حسنًا، إن الله لا يغفر أن يُشرك به، إذن تكون أوراق اعتمادك عنده أن تُعلن نفسك عبدًا له وحده، لا إله إلا هو فقط.

حسنًا، والأفعال التي نقوم بها، وكلما نفعل شيئًا مخالفًا فإن ذلك [المؤمن] أيضًا يضايقه، ويعني أن قلبه ينقبض من المعصية. ربنا سبحانه وتعالى فتح باب المغفرة:

﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 48]

فإذن يغفر الله سبحانه وتعالى ما دون الشرك بالله. ما الذي دون الشرك بالله؟ لا، أشياء كثيرة: عقوق الوالدين من الكبائر التي بعد الشرك بالله، عققتَ والدي وأريد أن أتوب بسرعة، تُقبل توبته. حسنًا، والسحر والاشتغال بالسحر وإيذاء الناس من الكبائر، وشهادة الزور من الكبائر، وأكل مال اليتيم من الكبائر، وهكذا.

معنى مغفرة ما دون الشرك وحكمة تعليقها على مشيئة الله تعالى

يبقى إذا ربنا سبحانه وتعالى حرّم علينا الخبائث، ويغفر ما دون ذلك. ما دون ذلك يعني ما هو غير ذلك الذي هو ماذا؟ ذلك [هو] الشرك بالله، لمن يشاء.

ولمن يشاء هذه جاء بها لماذا؟ لكي لا تتجرأ على الخطيئة أو الخطأ، لا تستهن به. أنت قبل أن تعمل [المعصية]، أتظن أن كلمة "لمن يشاء" ليست [مهمة]؟ القصة ليست أن أرتكب الخطأ ولا يهمك، هذا فالله غفور رحيم. لا، إنه يقول لك "لمن يشاء" من البداية، قبل أن ترتكب الخطأ.

المغفرة لمن وقع في الذنب نسيانًا وغفلة لا استحلالًا وفرحًا بالمعصية

فما هي إذن هذه الخطيئة والخطأ الذي سيُغفر عنه؟ ما الذي حدث؟ أي في غيابك ونسيانك، وما سُمّي الإنسان إلا لنسيانه، وما أول ناسٍ إلا أول الناس.

فعاهد آدم ربه فنسي، ونسي آدم فنسيت ذريته. فيبقى كذلك الإنسان ماذا؟ نسي نفسه قليلًا وغفل عن نفسه، فارتكب هذا الذنب ووقع في هذه الخطيئة. وليس وأنت ذاهب كذلك فرحًا بأنك ستخطئ، لا، بل أنت نسيت الله، يكون في عونك، ووقعت في [المعصية]، فاستغفرت لذنبك وعدت من قريب، وأسرعت إلى مغفرة من ربك. كل هذه المعاني واردة.

﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 48]

فما هدف كلمة "لمن يشاء"؟ ألا تجترئ على المعصية، بل أن تكون المعصية قد صدرت منك على سبيل النسيان، على سبيل الشهوة الدافعة التي لم تستطع أن تسيطر على نفسك فيها، على سبيل الحرج، على سبيل وهكذا. وليس على سبيل الاستحلال والاستمراء والانبساط والفرح بالمعصية.

التحذير من الاجتراء على الله لأن مشيئته لا يدركها أحد

ولذلك يحذركم الله نفسه، احذروا! لماذا؟ لأنه فيها "لمن يشاء"، ومن ذا الذي يدرك مشيئة الله على وجهها؟ لا أحد.

ومن ذا الذي يستطيع أن يسيطر أو يهيمن على الذات العلية؟ أعوذ بالله، حاشا لله! لا يمكن أن يكون؛ لأنه ملك الملوك، خالق الأكوان سبحانه وتعالى، لا رب سواه.

الشرك بالله افتراء يخالف الواقع والعقل والفطرة السليمة

ومن يشرك بالله فقد أشرك، أول شيء فعل ماذا؟ هذا خالف الواقع. والواقع أن هناك ربًّا واحدًا، وهو يقول: لا، يوجد اثنان، يوجد ثلاثة، يوجد أربعة، يوجد خمسة، يوجد تسعة، أشرك!

ومن يشرك بالله فقد افترى، إذن كذب. ما هو الكذب؟ أن تقول شيئًا ليس هو الواقع. والواقع أن الله [واحد]، طيب، ولو كان هناك آلهة، لو كان هناك آلهة لعبدناها:

﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ﴾ [الزخرف: 81]

حسنًا، هل للرحمن ولد؟ أبدًا، لم يحدث أن يكون للرحمن ولد. حسنًا، ولو كان فيه [ولد] والله لكنا عبدناه. قل لو كان، لكنه امتنع هذا، والواقع غير ذلك. الواقع أنه إله واحد، رب واحد سبحانه وتعالى.

الشرك افتراء عظيم لا أصل له يخالف العقل والفطرة ويترتب عليه إثم عظيم

ولذلك ومن يشرك بالله فقد افترى. كذب، والافتراء يعني كذبة كبيرة قليلًا. والافتراء أحيانًا الكذبة يمكن أن يكون لها أصل، وبعد ذلك أنت تحرّف فيها فتصبح كذبة. لم يقل ذلك، ولكن هذا [الشرك] أصبح افتراءً، أي لا أصل له البتة من الأساس.

لماذا؟ قال لأن إثبات إله آخر غير الله سبحانه وتعالى يخالف العقل البشري؛ فكل أحد يعلم أنه لا يمكن أن يكون هناك إلهان. يخالف الفطرة السليمة وما استقر في وجدان الإنسان من التعلق برب العباد سبحانه وتعالى.

إذن هذا افتراء، فهذا شيء لا أصل له، لا المتكلم ولا السامع ينبغي أن يُلصق به هذه الكذبة أو هذه الفرية.

ما يترتب على الشرك من إثم عظيم لتعلقه بجميع الأعمال والخاتمة

حسنًا، وماذا يترتب على هذا الكذب [وهو الشرك]؟ يترتب عليه بلايا، ولذلك قال:

﴿فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 48]

والإثم كان يكفي، لا، بل عظيم. لماذا؟ لتعلقه بكل الأعمال؛ ولذلك سماه إثمًا عظيمًا.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.