سورة النساء | حـ 676 | 54 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 676 | 54 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يكشف القرآن الكريم عن صفات النفس البشرية في سورة النساء بقوله: "أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله".
  • الحسد من طبيعة الخلق وأساسه الغيرة، والغيرة موجودة عند الرجال والنساء كما وصف النبي عمر بن الخطاب بأنه غيور.
  • الغيرة قد تكون شعوراً فيه متعة، وخلقها الله للحفاظ على النوع البشري والأسرة.
  • يمكن أن تكون الغيرة في حدود المعقول أو تزيد فتصبح مشكلة أو بلاء.
  • الحسد المذموم هو تمني زوال النعمة من يد الغير، أما تمني مثلها فهو منافسة طيبة.
  • من فنون التربية الدقيقة تسمية الأشياء بأسمائها الأصلية.
  • قال النبي: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً وسلطه على إهلاكه في سبيل الله، ورجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه بالليل والنهار".
  • هذه ليست حسداً حقيقياً بل غيرة محمودة وتنافس في الخير.
  • هذا المبدأ التربوي يعمل مع مبادئ أخرى كثيرة ولا يصلح وحده.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة سورة النساء وكشف صفات النفس البشرية لبناء مجتمع رباني

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يكشف لنا عن صفات النفس البشرية، وهذا الكشف المراد منه هنا وفي هذه السورة في ذلك السياق والسباق واللحاق بناء الاجتماع البشري على أسس ربانية؛ حتى يسعد الإنسان وحتى يكون عبدًا ربانيًا. يقول [الله سبحانه وتعالى]:

﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَـٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 54-55]

إعجاز التراكيب القرآنية وتفردها عن كل كلام البشر

أي الحقيقة، كلام لا يعرف البشر قوله، تراكيب يا أخي سبحان الله! ما هذا الشيء؟ ما رأينا أحدًا من البشر يتكلم هكذا، ما رأينا هذه الصياغات لا قبل القرآن ولا بعد القرآن، لا في الشعر العربي ولا في الخطاب الجاهلي، ولا في حكمة الحكماء، ولا في ألسنة الأقوام المختلفة، ولا في كذا وكذا، ما رأينا هذه التراكيب!

﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ﴾ [النساء: 54]

الحسد أصله الغيرة وهي صفة مخلوقة في الطبيعة البشرية

إذن الحسد من طبيعة الخلق، وهذا الحسد ما أساسه؟ أساسه الغيرة. فالإنسان يحسد عندما يكون لديه غيرة؛ غيور من زميله، أو المرأة غيورة من زميلتها، أو المرأة غيورة من الرجل، أو الرجل غيور من المرأة.

إذن يوجد غيرة، والغيرة قد تكون في ذاتها شعورًا فيه مدح، وقد يكون الله سبحانه وتعالى قد خلقها فينا من أجل الحفاظ على النوع البشري. المرأة التي تغار على زوجها إنما تريد الحفاظ على الأسرة.

الغيرة بين الاعتدال والإفراط وانقلاب الصفات عند تجاوز حدودها

هذه الغيرة يمكن أن تكون في حدود المعقول، ويمكن أن تزيد قليلًا فتصبح مشكلة، ويمكن أن تزيد كثيرًا فتصبح بلاء. لكنها في أصلها ضرورية للحفاظ على الأسرة، لها وجه حسن إذن.

إنما إذا تمادينا فيها كأي شهوة من الشهوات أو صفة من الصفات؛ فالكرم ينقلب إسرافًا، والحكمة تنقلب جبنًا، والشجاعة تصير تهورًا. وهكذا فإن كل شيء له حدود، والشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، هكذا يقول الحكماء.

تحليل معنى الحسد والغيرة وهل الغيرة مختصة بالنساء فقط

ولكن كلمة ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ﴾ تبقى هنا أقرّ [الله سبحانه وتعالى] بعملية الحسد، وأنت تفسر فتنظر إلى أصل الحسد ما هو، فتذهب إلى الغيرة، فتسير قليلًا مع الغيرة وتعيش.

هذه الغيرة كيف شكلها؟ هل هي مختصة بالنساء فقط كما قد يُشاع في بعض الثقافات؟

أبدًا! فالنبي صلى الله عليه وسلم وصف سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] بأنه غيور. فالغيرة موجودة عند الرجل في كماله؛ إن سيدنا عمر هذا من الصديقين الكبار. وقد تكون هذه الغيرة موجودة في النساء، موجودة هنا وهناك.

فهم حدود الغيرة الطيبة والغيرة الشريرة التي تتمنى زوال النعمة

إذن فلا بد لنا أن نفهم الغيرة وأن نقف عندها وأن ندرسها، وندرس ما حدودها الطيبة وما حدودها التي تتحول إلى غيرة شريرة.

ومن الغيرة الشريرة تمني زوال النعمة من يد الغير؛ أنا غِرتُ أن في نعمة جاءت لك، وبعد ذلك تريدها أن تزول.

فلماذا؟ ألا تتمنى مثلها؟ قل: يا رب كما رزقت أخي فلانًا ارزقني أنا أيضًا. فهذه ما هي إلا غيرة حميدة قليلًا، فيها غيرة حميدة. يعني وجدتك ناجحًا فأريد أن أنجح مثلك، فهذه فيها نوع من أنواع المنافسة.

المنافسة المحمودة النابعة من الغيرة الطيبة والفرق بينها وبين الحسد

والمنافسة هنا في الزيادة أي في الخير:

﴿وَفِى ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ﴾ [المطففين: 26]

فتكون المنافسة نابعة من الغيرة أيضًا، ولكنها من الغيرات الطيبة، من الغيرات في حدود المسموح به.

فإذا تحولت إلى حسد، فإن الحسد هذا فيه تمنٍّ لزوال النعمة عند الآخرين.

مبدأ تربوي نبوي في تسمية الشيء باسمه الأصلي لعلاج الحسد

ومن أنواع التربية ومن فنونها الدقيقة أن تسمي الشيء باسمه الأصلي لا باسمه [المزيّف]. فوجدت شخصًا يحسد دائمًا، مثل ذلك الرسم الكاريكاتيري الذي اسمه السماوي، فالسماوي هذا يحسد دائمًا. هذا مرض، أصبح مرضًا.

إذن نريد أن نعالجه. فقد أعطانا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مبدأ من مبادئ التربية، وهو ليس كل التربية، هذا مبدأ من المبادئ، وهذا المبدأ لا يعمل بمفرده. المبدأ يعمل مع مبادئ أخرى كثيرة.

انتبه! لأن نفس هذا المبدأ يمكن أن ينقلب إلى شر إذا عمل بمفرده.

حديث لا حسد إلا في اثنتين واستدراج الحسود نحو الخير

وهو [المبدأ التربوي] أن يسمي الشيء باسم أصله، فيقول: «لا حسد إلا في اثنتين».

فما هما الاثنان؟ أنا إذن حسود، وعندما قال لي «لا حسد إلا في اثنتين» قلت: جيدًا جدًا، الحسد الذي عندي أنا سأفعله في هاتين الاثنتين؛ لأني لست قادرًا على ألا أحسد أحدًا.

سيكون هذا نوعًا من أنواع الاستدراج وأخذ الحالة على مهل. «لا حسد إلا في اثنتين»، قام الحسود الذي عنده الحسد وصل إلى مرتبة شديدة، يقول: ما هما الشيئان هذان لكي أحسدهما وأكون مع رسول الله [صلى الله عليه وسلم]؟

تفسير الاثنتين في الحديث: إنفاق المال في سبيل الله وتلاوة القرآن

رجل آتاه الله مالًا وسلّطه على هلكته [أي إنفاقه في سبيل الله]. هل هذا حسد؟ فبماذا يشبه الحسد؟ إنه كلما جاءه مال أنفقه في سبيل الله، فيصبح المال الذي جاءه قد زال يا أخي واطمئن، ولكن قد زال في الخير وفي سبيل الله.

ورجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه بالليل والنهار، هذا سيقوده إلى الفعل الحسن الطيب والتدبر الطيب للقرآن الكريم.

حقيقة ما سُمّي حسدًا في الحديث هو غيرة حميدة ومبدأ تربوي شامل

هذه مجالات أخرى، هذا ليس حسدًا. هذا نعم في الحقيقة هو ليس حسدًا، ولكنه شيء من الغيرة [الحميدة]؛ أن أنا أريد أن أبقى هكذا: ربنا يرزقني رزقًا واسعًا ويسلّطني في هلاكه [إنفاقه] بالحق، وربنا يرزقني القرآن ويوفقني في قراءته بالليل والنهار.

فإذن هذه مهمة جدًا في التربية. كذلك «ألا كذب إلا في ثلاث»، هي الثلاثة هؤلاء ليس كذبًا ولا شيء، لكنه سمّاهم كذبًا استدراجًا للأمر وتربية.

وهذا المبدأ [التربوي] يعمل مع غيره، ولنا في ذلك كلام. فإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.