سورة النساء | حـ 699 | 66-67 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 699 | 66-67 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يشير الله في سورة النساء: "ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً"، فالالتزام بشرع الله يزيد الإنسان قوة على المستوى الفردي والجماعي والأمة.
  • تتنوع الجماعات بين الأسرة والعمل والمسجد والحي، ويلزم الله الأفراد بالالتزام حتى مع وجود الفساد.
  • تعايش الصلاح والفجور في كل عصر، فقد ألف الأصفهاني حلية الأولياء في نفس عصر كتاب الأغاني.
  • على العلماء الصبر على المخالفين، فالصبر من شيم الأتقياء والخروج عنه من شيم الفاسدين.
  • فعل ما يُوعظ به يكون خيراً في الحاضر (خيراً لهم) والمستقبل (أشد تثبيتاً)، وفي الآخرة (آتيناهم من لدنا أجراً عظيماً).
  • القرآن معجز لأن كلامه أكبر من الفكر، بعكس البشر الذين فكرهم أكبر من كلامهم.
  • القرآن تتزايد معانيه كل يوم ولا تنتهي، فهو ليس من كلام البشر بل من خالق البشر.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

الالتزام بشرع الله يحقق الخير والتثبيت على جميع المستويات

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: 66]

هذا [الخير والتثبيت] في الدنيا؛ أي أن الإنسان إذا التزم بشرع الله وجد نفسه في زيادة مطردة يومًا بعد يوم على جميع المستويات، على مستوى النفس إن كان فردًا، أو على مستوى الجماعة إن كانت جماعة تريد أن تلتزم بمنهج الله، أو على مستوى الأمة.

الجماعة منها جماعة الأسرة، ومنها جماعة العمل، ومنها جماعة المسجد، ومنها جماعة الحي، ومنها الجيرة وهكذا. لكن الأمة لو التزمت بمنهج الله لوجدت خيرًا وقد كان.

التزام الأفراد الصالحين مع وجود الفساد في نفس العصر

وأرانا الله سبحانه وتعالى التزام الأفراد مع وجود الفساد؛ فأبو نعيم الأصفهاني وهو يؤلف كتابه [حلية الأولياء]، وفي العصر نفسه أو يكاد يؤلف الأصفهاني [أبو الفرج] كتاب [الأغاني].

يذكر الأول [أبو نعيم] لو قرأته وكأن الناس جميعًا صاروا من الملائكة الكرام، ويذكر الثاني [صاحب الأغاني] المجون والفجور بحيث تظن أن العهد قد ذهب وذهب الصالحون فيه.

والأمر ليس كذلك، والله أعلم بما هنالك؛ فإن من الخلق من هو من الصالحين، ومنهم من هو من الماجنين، ومنهم من خلط عملًا صالحًا بآخر سيئ.

موقف الإمام الشافعي من أبي نواس وأدب التعامل مع المخالفين

حتى إن الإمام الشافعي يقول عن أبي نواس وكان ماجنًا محبًّا للفجور والخمر: «لولا مجونه لرويت عنه». لماذا؟ لأنه كان عالمًا متمكنًا من اللغة ومن أشعار العرب، لكن الله قدّر عليه ما قدّر.

لم يكفّره [الإمام الشافعي] ولكن أبى أن يروي عنه بمزيد التوثيق؛ غلبته نفسه فأنزله منزلته واعترف بعلمه مع إيقاف الروايات عنه، لأن الأمر دين.

فرضي الله عن علمائنا الأكابر الأجلاء الذين علّمونا الصبر على المخالفين، وأن الصبر من شيم الأتقياء الصالحين، وليس الخروج عن الصبر إلا من شيم الفاسدين.

واجب العلماء في الصبر على الناس والتخلق بأخلاق المؤمنين

ولذلك فمن الواجب على العلماء أن يصبروا على الناس، لا على سبيل التكبر والتميز، وإنما على سبيل التخلق بما أراد الله أن يكون أخلاقًا للمؤمنين.

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [النساء: 66]

على جميع المستويات: فرديًّا وجماعةً وأمةً.

﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: 66]

كان خيرًا لهم في حاضرهم وكان خيرًا لهم في مستقبلهم؛ لأن الثابت الباقي، الشيء لمّا يبقى ثابتًا يبقى زمنيًّا خيرًا لي. نعم، خيرًا لي الآن، طيب وغدًا؟ ما هو ثابت، أشد تثبيتًا؛ يبقى يتكلم عن الحاضر وعن المستقبل.

الأجر العظيم في الآخرة وإعجاز القرآن الذي يفوق قدرة البشر

طيب، هذه دنيا، وفي الآخرة:

﴿وَإِذًا لَّـَٔاتَيْنَـٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 67]

فهل تعتقد والله أن سيدنا محمدًا ﷺ يعرف أن يكتب هذا الكلام؟ والله إنه لا يعرف أن يكتب هذا الكلام، فأحاديثه معنا ليس فيها هذا [الأسلوب]، بل إن ذلك محكم للغاية.

إعجاز من الله، هذا كلام الله يا إخواننا! فهل يعرف [النبي ﷺ] أن يكتب هكذا ويقول هكذا؟

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [النساء: 66]

أي في الحاضر.

﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: 66]

أي في المستقبل، ثم إن هذه الدنيا، فيأتي ليقول:

﴿وَإِذًا لَّـَٔاتَيْنَـٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 67]

أي في الآخرة.

القرآن نزل في ثلاث وعشرين سنة ولا تنتهي معانيه أبدًا

ما هذا؟ ذهنه [النبي ﷺ] متقد، وهذا الكلام [القرآن الكريم] نزل في ثلاث وعشرين سنة، وهذا يحتاج إلى ثلاثمائة سنة! فنحن جالسون نفكر فيه حتى الآن؛ ثلاثمائة من هذا [العدد]، ألف وأربعمائة ونحن جالسون نقول، ولا يريد أن ينتهي ولن ينتهي.

لا، ليس ثلاثمائة [سنة فحسب]؛ إنك لكي تُنشئ شيئًا مثل هذا فإنك تحتاج إلى أضعاف ما تفسّر. وهكذا تجد أن القرآن أبدًا أكبر من كل فقه وفكر.

الفرق بين كلام البشر وكلام الله في العلاقة بين الفكر والكلام

الله إذن، هو [القرآن] ليس من كلام البشر؛ لأن البشر فكره أكبر من كلامه، لكن هذا [القرآن] تكلّم فإذ بالكلام أكبر من الفكر. ما هذا إذن؟ هذا عكس كلام البشر.

عكس كلام البشر: تجد الإنسان فكره عندما يأتي ليعبّر عنه يقول لك ما معناه: «قصدي والله...»، فما كانت العبارة الأولى إذن؟ أي أنها لم تفِ بما أفكر فيه، أي أن فكرك أكبر منها.

نعم، فماذا تعني؟ أي قصدي أن أقول... ويقول مرة أخرى، ويقول لك أي يشرح لك هذه الحكاية ويقول مرة ثالثة. فالفكر يظل أكبر من الكلام.

القرآن كلام الله لا كلام البشر ومعانيه تتزايد كل يوم

ولكن هذا [القرآن] صار كلامًا، فإذا بالكلام تتزايد معانيه كل يوم ولا تريد أن ينتهي شيء. نعم، هذا يكون ليس من البشر إذن، هذا ممن خلق البشر جلّ جلاله، الله. نعم.

﴿وَإِذًا لَّـَٔاتَيْنَـٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 67]

حسنًا، قال: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾، لماذا؟ لكي يبيّن لك قيمة العظمة. من الذي سيجازي إذن؟ قال: لا، لن يجازيك إلا الله. نعم، هذه حاجة مفتوحة إذن؛ شيء لا نهاية لها ولا يتصورها قلب بشر.

دعاء الختام بالالتزام بمنهج الله وتحبيب الإيمان في القلوب

قُمْ يُطَمِّنك أكثر وأكثر، قُمْ ويدفعك إلى الالتزام بمنهج الله.

فاللهم يا ربنا احشرنا واجعلنا من الملتزمين بمنهجك، وحبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين ومن الصادقين يا رب العالمين.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم.