سورة النساء | حـ 711 | 78-79 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 711 | 78-79 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • يقرر الله سبحانه في سورة النساء حقيقة كونية: "أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة".
  • الأرزاق والآجال مقدرة لا تتغير، فرزقك سيصل إليك كما قدره الله، وأجلك لا يتقدم ساعة ولا يتأخر.
  • الموت يصيب الجميع بلا استثناء: الصغير والكبير، المريض والطبيب، بغض النظر عن الأسباب المتعددة له.
  • الإيمان بهذه الحقيقة يورث الرضا والتسليم، مع جواز الحزن على الفراق كما حزن النبي على أهله.
  • الحزن المشروع لا يخرج عن نطاق الشرع ولا يتضمن تبرماً أو اعتراضاً على قدر الله.
  • ينبغي أن تكون الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا، وألا نخشى إلا الله ولا نطلب إلا منه.
  • لا ينبغي نسبة الأشياء لأسبابها فقط، فكل شيء من عند الله خلقاً.
  • الاعتماد على الأسباب شرك، وتركها جهل، ورؤيتها سنة الأنبياء مع الإيمان بأن كل شيء من عند الله.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة وتقرير حقيقة كونية في سورة النساء عن حتمية الموت

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول الله سبحانه وتعالى وهو يقرر حقيقة كونية ينبهنا إليها:

﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 78]

الأرزاق والآجال لا تتغير، وجعل الله ذلك حتى لا تخشى الناس؛ رزقك يصلك على ما قرره الله لك، فاجعل طلبك جميلًا. وأجلك لا يتقدم ساعة ولا يتأخر، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر.

وعلى ذلك فممن تخاف؟ إذا كان لا يوجد أحد بيده الرزق ولا بيده الإحياء والإماتة، فمم تخاف؟ الرب واحد والعمر واحد، فلا تخف.

مشاهدة حقيقة الموت في الواقع تصيب الجميع دون استثناء

هذه الحقيقة حقيقة يراها الإنسان دون تنبيه؛ فيرى الموت يصيب الجميع، من ذكر وأنثى، من صغير وكبير، من طفل وشاب وشيخ.

يموت المريض ويبقى الطبيب، ويموت الطبيب ويبقى المريض. وتموت العائلة الواحدة في حادثة جميعًا سويًّا، وتموت الزوجة ويبقى الزوج، ويموت الزوج وتبقى الزوجة آجالًا طويلة.

وهكذا، مرئيٌّ مشاهَدٌ مكرَّر في كل الأرض مع جميع الأجناس، لا يختلف ولا يتخلف.

العمل المطلوب بناءً على حقيقة الموت وإخلاص التوجه لله

فلما ينبهنا الله سبحانه وتعالى إلى هذه الحقيقة [حقيقة حتمية الموت]، فهو ينبهنا إليها من أجل أن نبني عليها عملًا. يجب أن نبني عملًا على هذه الحقيقة.

هذا العمل هو أن تكون الدنيا في أيدينا ولا تكون الدنيا في قلوبنا. هذا العمل هو ألّا نخشى إلا الله، ولا نطلب إلا من الله، ونخلص النية لله، ونتوجه إليه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.

الموت أجل مكتوب لا يمكن الاحتماء منه بأي وسيلة

﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 78]

يعني أن الموت ليس سببًا حتى تحتمي منه؛ ليس سيفًا يصل إلى رقبتك فيقطعها فتموت، ليس ميكروبًا يصيب جسدك فتمرض فتموت، حتى تضع نفسك في العناية المركزة أو في الأكسجين التام، أو تبعد في صرح مشيد وحصن حصين حتى لا يصلك الغبار الذري.

لا، فهذا أجلٌ مكتوب فوق، سواء انتهيت أم لم تنتهِ، فالموت سيدركك ولو كنت في برج مشيد أبدًا؛ لأنه ليس له سبب واحد، بل أسباب متعددة. تعددت الأسباب والموت واحد.

ثمرة الإيمان بالأجل المكتوب الرضا والتسليم مع جواز الحزن

لا نجني منه [من الخوف من الموت] فائدة. الأجل أجل، فماذا يفعل هذا معك؟ لو اعتقدت هذه العقيدة [عقيدة أن الأجل مكتوب] يحدث عندك رضا وتسليم.

والرضا والتسليم غير حدوث الحزن على الفراق؛ فالإنسان عندما يموت عزيز لديه يبكي.

قال رسول الله ﷺ: «إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول ما يُغضب الله»

يبكي، إنما لا يخرج عن نطاق الشرع، لا يُغضب الله إنما يُرضي، لا يتبرم ولا يعترض. لم تُهدم الدنيا عند هذا الموت؛ لأنه أجل مقدر.

عدم التحسر على سبب الموت الظاهر والتوكل على الله وقدره

ولا يتحسر [المؤمن] على سبب الموت الظاهر؛ مات في المعركة، يعني لو كان لدينا ما قُتلوا وما ماتوا؟ أبدًا!

﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 78]

إذا اعتقدت هذه العقيدة فتتوكل على الله حق توكله، وترضى بقضاء الله وقدره، وتسلّم لمجريات الأمور.

حتى لو أصابك الحزن، فقد أصاب النبي ﷺ الحزن عند موت حمزة، وأصاب النبي ﷺ الحزن عند موت بناته زينب ورقية وأم كلثوم، وأصاب النبي ﷺ الحزن عند موت ابنه إبراهيم، وعند موت خديجة عليها السلام. وهكذا، لكن هذا الحزن قال: «ولا نقول ما يُغضب الله».

نسبة الحسنة والسيئة لله وبيان اضطراب من ينسب السيئة لغيره

﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 78]

هؤلاء مؤمنون، هم مؤمنون بالله ومؤمنون بأن هذه الحسنة من عند الله.

﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ﴾ [النساء: 78]

بدأنا الاضطراب، فأصبح اضطرابًا؛ الحسنة من عند الله، صحيح مقبول، طيب، والسيئة خَلْقًا هي من عند الله أيضًا. فلا يوجد داعٍ لأنك تعتدي هذا العدوان وتنسب الأشياء لأسباب؛ هذه الأسباب لم تفعل لأنها من خلق الله.

﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ فَمَالِ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: 78]

أي أن كل شيء خَلْقًا من عند الله سبحانه وتعالى.

الحسنة من الله والسيئة من النفس والموقف الصحيح من الأسباب

﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: 79]

بمعنى أنك أنت السبب الظاهر لهذا، أما خَلْقًا فكل شيء من عند الله.

يبقى إذن: الاعتماد على الأسباب شرك، وترك الأسباب جهل، ورؤية الأسباب من سنة الأنبياء؛ أن هذا سبب هذا وهذا سبب هذا، ولكن لا نعتمد عليها. نؤمن بأن كل شيء من عند الله.

وإلى لقاء، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.