سورة النساء | حـ 721 | 83 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 721 | 83 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • يأمرنا الله سبحانه في سورة النساء بالتعمق في التفكير والتخلص من السطحية والتحلي بالأناة.
  • كان النبي ﷺ يمدح الأناة ويحبها، كما قال لأشج عبد القيس: "فيك خصلتان يحبهما الله: الحلم والأناة".
  • يجب تدبر القرآن وعدم قراءته كقراءة الصحف السطحية، فالمفهوم الصحيح ينشئ السلوك الصحيح الذي يبني المجتمع الصالح.
  • التدبر والتهور نموذجان متضادان، والتهور يؤدي إلى الغوغائية التي تنتهي باتباع الشيطان.
  • الكذب حرام لأنه يخالف واقع ما خلقه الله، وهو يهدي إلى الفجور والنار.
  • السطحية في التفكير تؤدي إلى مخالفة الواقع، وبالتالي الكذب واتباع الشيطان.
  • القرآن يُظهر الإنصاف حين يقول "إلا قليلاً" وعدم التعميم المطلق.
  • أساس الخطأ هو التعميم، والصواب هو وصف الواقع بدقة كما هو عليه.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة الدرس وأهمية التأني والتدبر في سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول لنا ربنا سبحانه وتعالى كيف نكون في عمق التفكير، وكيف نتخلص من صفة السطحية، وكيف نتأنى؛ لأن الأناة صفة يحبها الرحمن سبحانه وتعالى.

ولأشج عبد قيس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «فيك خصلتان يحبهما الله: الحلم والأناة»

أشج عبد القيس هذا رجل من الصحابة، لكن الله أنعم عليه بأنه كان لا يتعجل. العجلة تأخذ بالظاهر وتطير، في حين أن الأناة تتدبر الأمور.

الأمر بتدبر القرآن والتحذير من القراءة السطحية كقراءة الصحف

قبلها بآيات يقول ربنا سبحانه وتعالى، قبلها بالآية التي قبلها مباشرة:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]

فأمرنا بالتدبر. تدبر يبقى [معناه] لا نأخذ القرآن ونقرأه كقراءة الصحف؛ تقرأ قليلًا في أول المقال هكذا، وبعد ذلك سطرين في وسطهما، وسطرين في الآخر. فما هو هذا؟ يسبب لك سطحية هكذا؛ لأنك لم تعرف الكاتب يريد أن يقول ماذا.

فواحد يقول لي: ما هو أصل أنا أقرأ دائمًا، أقرأ دائمًا وما فيه فائدة! الذي هو في الأول هو الذي في الوسط هو الذي في الآخر. فالقرآن يعلمنا شيئًا آخر، يعلمنا لا، هذا نحن لازم نقرأ حرفًا حرفًا، حرفًا حرفًا!

التأني في القراءة ينشئ المفهوم الصحيح والسلوك الصحيح والمجتمع الصالح

نحن فارغون [من الشواغل]، أجل، تأنٍّ هكذا؛ لأن هذا الذي سينشئ المفهوم الصحيح، والمفهوم الصحيح هو الذي سينشئ السلوك الصحيح، والسلوك الصحيح هو الذي سينشئ المجتمع الصالح. هذا هو الذي سيجعل تفكيرك سليمًا.

عندما أمرنا [الله] بتدبر القرآن:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]

جاء وقال [في الآية التي تليها]:

﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: 83]

ضد التدبر، ضد عملية التدبر. هذا نمط ونموذج [للسطحية]، والتهور نموذج آخر.

التهور وعدم التدبر يؤدي إلى اتباع الشيطان وأهمية الرد إلى أولي الأمر

يا مسلم تدبّر؛ لأن هناك أناسًا لا يتدبرون ويتهورون فيعملون الشيء الخطأ.

﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُولِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ﴾ [النساء: 83]

إذن التهور نهايته ماذا؟ يسمونها الغوغائية.

نهايتها ما هي؟ اتباع الشيطان.

لماذا؟ لأنها تصور صورة غير الحق.

العلاقة بين مخالفة الواقع والكذب وافتراء على الله سبحانه وتعالى

حسنًا، وغير الحق هذا لماذا يعني يلزم منه اتباع الشيطان؟ لأنه ليس من خلق الله [أي ليس مطابقًا لما خلقه الله في الواقع].

حسنًا، هو الكذب حرام، لماذا؟ لأنك تقول شيئًا ليس هو الواقع.

حسنًا، ماذا يعني شيء من عقلي حرام، لماذا؟ لأنك تفتري على الله أنه قد فعل شيئًا ولم يفعل.

أنت أمس لم تأتِ إلى المسجد، تقول: أنا أتيت إلى المسجد أمس. هذه العبارة مخالفة لما قد خلقه الله؛ فأنت بالكذب تخالف الله، تنسب إلى الله أنه قد خلق مجيئك أمس إلى المسجد وهو لم يخلقه. فهذه مصيبة عظيمة.

الكذب يخالف الواقع ويؤدي إلى الفجور ثم إلى النار

نعم، لأنك تذكر شيئًا مخالفًا للواقع، فيصبح الأمر كأنك تقول -حتى لو لم تقل- إن الله قد خلق هذا وهو لم يخلقه، فتصبح كاذبًا.

قال رسول الله ﷺ: «ولا يزال الرجل يكذب ويكذب حتى يُكتب عند الله كذّابًا، وإن الكذب ليهدي إلى الفجور، وإن الفجور ليهدي إلى النار»

فيصبح إذن السطحي هذا يقع في مخالفة الواقع، وإذا وقع في مخالفة الواقع كان كاذبًا، وإذا كذب اتبع الشيطان.

هل السطحي يصيب أحيانًا وقاعدة النادر لا حكم له

طيب، غالبًا أم دائمًا؟ يعني هل يصلح أن يخالف أحد ويبقى سطحيًا ومرة معه تصيب يعني ولا يتبع الشيطان؟ قال: ممكن، ولكن كم يعني؟ واحد في الألف.

فذهبوا فوضعوا قاعدة هكذا قالوا فيها: النادر لا حكم له.

ما يأتيني أحد ويقول لي: أنا فعلت كل المعاصي ولم يحدث لي شيء! ممكن أن يفعل أحد كل المعاصي ولا يحدث له شيء؟ هذا كم في المائة؟ إذن هذا واحد في المليون يعني، لا حكم له، لا نستطيع أن نجعل منه قاعدة.

القاعدة أن الذنوب تورث البلاء وإنصاف القرآن في قوله إلا قليلًا

القاعدة أن الإنسان كلما يقترف من الآثام كلما يجد البلاء، كلما يجد الكآبة، كلما يجد نكتة سوداء في قلبه.

حول هذا، ولذلك يجب أن تروا إنصاف القرآن؛ وعندما يقول:

﴿لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83]

يجب أن تتأملوا هذه الجزئية وتقفوا معها وتسرحوا معها هكذا: إلا قليلًا منكم، إلا قليلًا. انتبه للإنصاف!

حاول أن تصف الواقع على ما هو عليه، وهذه قاعدة كبيرة: أساس الخطأ التعميم. قاعدة تقول هكذا: إياك أن تعمم تمامًا، اوصف بالدقة.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.