سورة النساء | حـ 733 | 92 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يبين الله سبحانه وتعالى أن من قتل مؤمناً خطأً فعليه تحرير رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.
- •تُحسب الشهور في الإسلام بالقمر وليس بالشمس، والشهر القمري إما 29 أو 30 يوماً.
- •السنة القمرية تتكون من 354 أو 353 أو 355 يوماً، وتختلف عن السنة الشمسية بنحو 11 يوماً سنوياً.
- •تكتمل دورة السنة القمرية كل 33 سنة تقريباً، ليعود شهر رمضان إلى نفس الموسم.
- •الشهران المتتابعان في الكفارة قد يكونان 58 أو 59 أو 60 يوماً حسب الرؤية.
- •إذا قطع الصائم صيامه المتتابع لعذر شرعي كرمضان أو العيد أو الحيض، فلا يؤثر ذلك في التتابع لأنه "بقهر الشرع".
- •من بدأ الصيام في شعبان يصوم رمضان كفرض، ويفطر في العيد، ثم يكمل باقي الكفارة.
- •في حالة المرأة، تقضي أيام الحيض بعد انتهاء الشهرين.
- •الأحكام الشرعية تستلزم إعمال العقل والفكر.
كفارة القتل الخطأ في سورة النساء تحرير رقبة أو صيام شهرين متتابعين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، والله سبحانه وتعالى يقرر لنا ماذا نفعل إذا قتل أحدنا خطأً أخاه المؤمن، وقرر لذلك كفارة أصلها تحرير رقبة مؤمنة، وفرعها:
﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: 92]
وذلك حتى يشعر الفاعل -وإن لم يكن قاصدًا وإن لم يكن مريدًا- بشدة قضية القتل وفظاعتها عند الله سبحانه وتعالى.
الشهر عند المسلمين قمري والفرق بينه وبين الشهر الشمسي أحد عشر يومًا
وهنا الشهر يُطلق عند المسلمين على الشهر القمري، فبالقمر يتم الحساب:
﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: 36]
واحد فرد وهو رجب، والباقي سرد وهي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، وراء بعض. اثنا عشر شهرًا، اثنا عشر شهرًا قمريًا.
وهذا يختلف عن الشهر الشمسي بأحد عشر يومًا كل سنة، يعني ثلاثة وثلاثين يومًا، يعني شهرًا وثلاثة أيام كل ثلاث سنوات، يعني كل ثلاثة وثلاثين سنة تقريبًا تجد أن الدورة قد اكتملت.
مثال عملي على دورة التقويم القمري واكتمالها كل ثلاثة وثلاثين عامًا
وتجد أن رمضان جاء في نفس الشهر الذي جاء فيه منذ ثلاثة وثلاثين عامًا. فيقول لك هذا [المثال]: أنني أكلت البطيخ في رمضان مرتين، فيكون عمره ستة وستين عامًا؛ لأنه أكل البطيخ في رمضان مرة أخرى.
البطيخ يظهر في الصيف، فرمضان حلّ عليه في الصيف، فيعود مرة أخرى [إلى الصيف في] الدورة بعد ثلاثة وثلاثين سنة. أحد عشر يومًا [فرق كل سنة].
وهذا معناه ماذا؟ معناه أن السنة القمرية هذه إما ثلاثمائة وأربعة وخمسون، أو ثلاثمائة وثلاثة وخمسون، أو ثلاثمائة وخمسة وخمسون.
دورة القمر كل ثماني سنوات وتوزيع أيام الأشهر بين تسعة وعشرين وثلاثين
ولها [أي السنة القمرية] دورة مدتها ثماني سنوات، كل ثماني سنوات تتغير بطريقة معينة تصنع جدولًا هكذا بطريقة معينة: في كل مرة واحدة ثلاثمائة وثلاثة وخمسون في الثماني سنوات، وبعد [ذلك] تتقاسم ثلاثمائة وخمسة وخمسين وثلاثمائة وأربعة وخمسين.
وهذا معناه أنه عادةً غالبًا ستة أشهر تسعة وعشرون وستة أشهر ثلاثون. فعندما تكون ستة أشهر ثلاثين فيصبح مائة وثمانين، وبخصم ستة من مائة وثمانين يصبح مائة [وأربعة وسبعين]، فيصبح المجموع ثلاثمائة وأربعة وخمسين.
وأحيانًا ينقص يوم من هذه الستة أيام، وأحيانًا تزيد يومًا من هذه الستة أيام، فتحدث هذه الحكاية؛ إذ أن دورة القمر دورة عجيبة غريبة في الواقع وليست كدورات الشمس.
دورة الشمس وتعديل التقويم الشمسي كل أربعمائة سنة في شهر فبراير
فدورة الشمس ثلاثمائة وخمسة وستون يومًا وربع، إلا هنيهة وهذه الهنيهة تكون ثوانٍ أو دقائق بسيطة، تكون يومًا كل أربعمائة سنة بسيطة. فيأتون في فبراير على رأس الأربعمائة ويجعلونه ثمانية وعشرين بدلًا من التسعة والعشرين ويمضون.
ألفًا ومائتي [سنة]... ألف وستمائة... الألفين [ميلادية] يجب أن يكون فبراير ماذا؟ يكون ثمانية وعشرين.
لماذا؟ من أجل هذه الحسبة. نعم، طيب، حسن.
﴿ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: 5]
ما فيه لا تقدُّم ولا تأخُّر، وكلٌّ في فلك يسبحون، شيء هكذا منضبط من عند الله.
كيفية حساب الشهرين في صيام الكفارة من منتصف الشهر أو من أوله
أنا إذن أصوم شهرين، أي شهرين [قمريين]. قال [أحدهم]: متى ستبدأ الصيام؟ قلت له: سأبدأ الصيام في الخامس عشر من ربيع [الأول]. قال لي: حسنًا، سهلة، إلى الخامس عشر من ربيع الثاني الذي يليه، هذا شهر، إلى الخامس عشر من جمادى الأول، هذا شهر، وتستطيع أن تسير على [هذا النحو].
[وفي مثال آخر]: بدأت متى؟ قلت له: بدأت في واحد جمادى [الأول]. قال لي: جمادى الأول كله، جمادى الآخر كله.
قلت له: لكن هذا أصبح تسعة وعشرين وتسعة وعشرين، ماذا أفعل؟ قال: أفطر، انتهى الأمر.
الشهران في الكفارة قد يكونان ثمانية وخمسين أو تسعة وخمسين أو ستين يومًا
إذن يصبح الشهران يمكن أن يكونا ثمانية وخمسين يومًا، ويمكن أن يكونا تسعة وخمسين يومًا، ويمكن أن يكونا ستين يومًا.
وهذه القضية في الشريعة قال: نعم، في كل شيء. يعني واحد نذر أنه يصوم شهرًا وصام تسعة وعشرين فقد أدى النذر الذي عليه.
وواحد علّق أمره بشهر، رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصم بعض زوجاته فاعتزلهن شهرًا، فلما جاء يوم تسعة وعشرين تهيأ للنزول من العوالي إلى المكان الشريف في بيت [زوجاته]، فقال الطاهر [عمر بن الخطاب] له: يا رسول الله، هذا تسعة وعشرون يومًا! قال: «أليس الشهر تسعة وعشرين؟»
إذن فالشهر هذا إما تسعة وعشرون وإما ثلاثون، حيثما كان تجده في باب النذور وباب الأيمان وباب التعليق وباب الكفارات وباب كل شيء.
فما هو الشهر؟ القمر [أي الشهر القمري].
مشكلة انقطاع التتابع بسبب المرض في صيام كفارة القتل الخطأ
حسنًا، إذن:
﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: 92]
قال لك متتابعين.
ستواجهنا أي مشكلة؟ ما المشكلة؟ قال: افترض أنني صمت أربعين يومًا ومرضت، ماذا أفعل؟ قال: تعيد مرة أخرى [من البداية؛ لأن التتابع انقطع بسبب المرض].
حكم من بدأ صيام الكفارة في شعبان ودخل عليه رمضان والعيد
قال: حسنًا، أنا أيضًا لدي مشكلة. افترض أنني صمت وبدأت صيامي في شعبان، الأول من شعبان، فسرت هكذا، ماذا [أفعل]؟ الأول [من شعبان صمته] ثم جاء رمضان، فماذا أفعل؟
قلنا: يجب أن تصوم [رمضان فرضًا] وهذا خارج الحساب، خارج الحساب؛ هذا لأنه واجب شرعي.
قال: فماذا أفعل؟ أصوم إذن ابتداءً من العيد. قلت له: العيد يحرم صيامه. قال: فماذا أفعل؟ قلت: تصوم ابتداءً من اثنين شوال وتكمل.
فماذا عن هذه الفترة [فترة رمضان والعيد]؟ قالوا: لا تؤثر؛ لأنها بقهر الشرع. انظر إلى عبارة الفقهاء: «لأنها بقهر الشرع»، هو [الشرع] الذي قهرك فجعلك تصوم هنا [في رمضان]، وقهرك فجعلك تفطر هنا [يوم العيد]، بقهر الشرع، يعني ليس من عندي وليس تقصيرًا مني.
فيبقى الذي يعمل كذلك [يبدأ] في شعبان فليأخذ كذلك، وبعد ذلك رمضان والعيد: في رمضان يصومون وفي العيد يفطرون، وبعد ذلك يكمل من الثاني [من شوال]. ما هو اثنان [شوال]، أهو ما هو فاتوا يوم [العيد فقط].
حكم المرأة الحائض في صيام كفارة القتل الخطأ وقهر الشرع لها
قال: طيب، نعمل ماذا في لو كانت القاتلة خطأً امرأة وهي تحيض؟ قال له: كذلك أيضًا قهر الشرع؛ لأن هي لازم تفطر أيام الحيض، ما ينفع، أصل ما ينفع يُقبل منها الصيام وهي حائض.
هذا تخفيفًا عليها كده من الشرع، ليس هي هواها الذي فعل ذلك، ده بأمر الله. ولذلك فهي ممتثلة لأمر الله [في إفطارها أيام الحيض].
كيفية قضاء المرأة لأيام الحيض التي أفطرتها أثناء صيام الكفارة
قال: حسنًا، وبعد ذلك أين نفعل ماذا [كيف تقضي أيام الحيض]؟ صامت في شهر ربيع وظلت كذلك سائرة، وأفطرت خمسة أيام من أيام العادة الشهرية وأكملت، وأفطرت أيضًا خمسة أيام في الشهر الذي يليه، فأصبح في ذمتها عشرة أيام.
قال: تكمل بعدهما الأيام العشرة؛ لأن الشهرين أردناهما، ولكن أردناهما ماذا؟ أن يكونا بالعدد تفصيلًا.
أي لو خرج ربيع الأول تسعة وعشرين وربيع الثاني تسعة وعشرين، فهي كذلك [كالرجل]. الرجل صام ثمانية وخمسين يومًا، فهي ستصوم كم؟ ستصوم ثمانية وأربعين وعشرة أخرى من جمادى الأول، فتكون صامت كم فعلًا؟ صامت أيضًا ثمانية وخمسين التي هما الشهران اللذان بدعوتها [بحسب اختيارها] التي اختارتهما.
الأحكام الشرعية تدعو إلى إعمال الفكر والاجتهاد وفق أصول العدالة والنص النبوي
وهكذا إذا كانت هناك أحكام شرعية، لكن الأحكام الشرعية هذه تعني أن تُفهمك شيئًا: أنك يجب أن تفكر، وأن الآيات نزلت للهداية إنما مع إعمال الفكر.
ولذلك أعمل المجتهدون فكرهم على أصول العدالة والمنطق الصحيح والتفكير المستقيم والنص عن النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم، يتقيدون بكل ذلك مرضاةً لربهم.
فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
