سورة النساء | حـ 749 | 103 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 749 | 103 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

7 دقائق
  • تفسير آية "فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم" ينبغي فهمها في سياقها المرتبط بصلاة المسافر وصلاة الخوف.
  • بعد الانتهاء من الصلاة شرع الذكر، كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثاً وثلاثين مرة بعد كل صلاة.
  • الذكر بعد الصلاة يعادل الصدقة التي يتصدق بها الأغنياء، وهو فضل الله يؤتيه من يشاء.
  • ذكر الله مشروع في جميع الأحوال قياماً وقعوداً وعلى الجنوب، وقد كانت حلقات الذكر موجودة في عهد النبي وأثنى عليها.
  • أشارت الآية إلى إقامة الصلاة عند الاطمئنان وزوال الخوف، وأداؤها كاملة في مواقيتها المحددة.
  • علّم جبريل النبي صلى الله عليه وسلم مواقيت الصلاة بصلاته معه يومين متتاليين في أول الوقت وآخره.
  • الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً، فرضت بأوقات محددة يجب الالتزام بها.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية الذكر بعد الصلاة من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]

فهم الآية في سياقها وتفسيرها استقلالاً عن صلاة السفر والقتال

في هذه الآية يصدق أن نفهمها في سياقها؛ فهي تتحدث عن هذا [الموضوع] بعد الحديث عن صلاة المسافر، وبعد الحديث عن صلاة الحرب والقتال.

ويصدق أن نفسرها منفردة استقلالًا لوحدها، وكأنها آية نزلت تقرر قاعدة كبيرة: أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر.

ذكر الله أكبر من الصلاة لأنه يشمل جميع العبادات والأوقات

فذكر الله أكبر من الصلاة؛ ذكر الله نراه في بداية الصلاة:

﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: 1]

وذكر اسم ربه فصلى، إذن ذكر اسم ربه وبعد ذلك هذا الذكر — الله أكبر — أدخله في الصلاة.

قال رسول الله ﷺ: «إن صلاتكم هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وإنما هي تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير»

﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ﴾ [البقرة: 238]

نذكر الله سبحانه وتعالى فنصوم، ونذكر الله فنفطر، ونذكر الله فنحج، وهكذا. إذن ذكر الله أكبر من كل شيء؛ لأنه ذكر دائم في جميع الأوقات.

أذكار دبر الصلاة التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم

﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ﴾ [النساء: 103]

فبعد أن ننتهي من الصلاة نذكر الله أيضًا، وأرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أننا نقول في دبر كل صلاة — أي بعد أن ننتهي من الصلاة — ثلاثًا وثلاثين مرة سبحان الله، وثلاثًا وثلاثين الحمد لله، وثلاثة وثلاثين الله أكبر.

ثم نتم المائة — فبقي لنا تسعة وتسعون — هكذا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. هذا الذكر بعد الصلاة نسميه خاتمة الصلاة.

قصة شكوى الفقراء وفضل أذكار دبر الصلاة في معادلة الصدقة

وهو [ذكر دبر الصلاة] يعادل الصدقة التي كان يتصدق بها الأغنياء؛ فشكا الفقراء حالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم ودلّهم على ذلك الذكر.

ففعله الأغنياء أيضًا، فجاءوا [الفقراء] وقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور! أهل الدثور يعني الأغنياء الذين معهم أموال، بالأجور [أي سبقونا بالثواب]. فدلّهم [النبي ﷺ] على هذا [الذكر]، فلما فعلوا ذلك شكوا مرة أخرى: يا رسول الله، قالوا مثل ما قلنا!

قال [رسول الله ﷺ]: هذا فضل الله يؤتيه من يشاء. إذن الغني الشاكر الذي يذكر الله سبحانه وتعالى فالحمد لله على ذلك التوفيق.

الغبطة المشروعة لمن أنفق ماله في الحق أو قام بالقرآن

وهو [ذكر الله والإنفاق في سبيله] مما يُغتبط له؛ أن نرى إنسانًا آتاه الله مالًا فسلّطه على هلكته في الحق، فالحمد لله. ورجل آخر آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار يتلوه.

﴿فَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: 103]

وهو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»

ذكر الله في جميع الأحوال عند الصوفية والرد على منكري حلقات الذكر

وهو [ذكر الله في كل حال] الذي أخذه كثير من الصوفية؛ فتراهم يذكرون الله في حال القيام، ويذكرون الله في حال القعود، ويذكرون الله حتى على جنوبهم، تنفيذًا لهذه الآية.

ثم يأتي بعضهم ويقول: هذا لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم تكن هناك حلقات ذكر، ولم يكن هناك ذكر بهذه الكيفية! من الذي قال لك ذلك؟

ففي صحيح مسلم أن حلقات الذكر كانت موجودة، وتنزل الملائكة يلتمسون حلقة الذكر فيجدونهم يسبّحونه ويمجّدونه سبحانه وتعالى.

إقرار النبي لحلقات العلم والذكر وأهمية الذكر في القرآن والسنة

إذن فهو [ذكر الله في حلقات] موجود، ومرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على حلقة علم تُدرَس فيها العلوم فقال: أولئك على خير، ومرّ على حلقة ذكر فقال: وهؤلاء على خير.

في أحاديث كثيرة جدًا نجد فيها أننا قد غفلنا عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ألّف فيها الإمام السيوطي والإمام الفيومي والإمام الدهلوي وغيرهم كثير من العلماء، ينبّهون إلى أهمية الذكر:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]

﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]

إلى غير ما آية من آيات الله سبحانه وتعالى، وهو يأمرنا ويأذن لنا ويعلّمنا كيف نذكره سبحانه بالليل والنهار، قعودًا وعلى جنوبنا وقيامًا، وقبل منامنا وعند استيقاظنا، كما علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

معنى إقامة الصلاة بعد الاطمئنان والمحافظة عليها كاملة بسننها

﴿فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [النساء: 103]

يعني ذهب الخوف وذهب عدو الله وحدث النصر وصرفهم الله سبحانه وتعالى عنا، فأقيموا الصلاة: حافظوا على الصلاة وأقيموها واجعلوها قائمة، بمعنى مستقيمة، بمعنى أنها وافية.

نتوضأ لها ونصليها في مواقيتها، ونصليها على تمامها، ونضيف إلى الفرائض السنن التي علّمناها رسول الله صلى الله عليه وسلم. نفعل هذا لأن الصلاة هي خير موضوع كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]

حديث جبريل في مواقيت الصلاة وبيان أوقاتها بين البداية والنهاية

وهنا نرى أن الإمام مالك لما بدأ الموطأ بدأه بحديث جبريل في مواقيت الصلاة؛ أن جبريل قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى به الظهر والعصر ثم المغرب ثم العشاء ثم الفجر.

ثم نزل اليوم الثاني فصلى به هذه الصلوات في أواخر أوقاتها، وقال له: يا محمد، الصلاة بين هذا وذاك، يعني بين هذه البداية والنهاية.

صلى الظهر مثلًا الساعة الثانية عشرة، صلى الظهر بعد ذلك الساعة الثالثة، قال: هكذا يبقى ما بين هذا وذاك. صلى العصر الساعة الثالثة، صلى العصر عندما اصفرّت الشمس. صلى المغرب عند غروبها، صلى المغرب في اليوم الثاني عند غروبها أيضًا. صلى العشاء عند ذهاب الشفق، صلى العشاء أيضًا إلى ثلث الليل. صلى الفجر عند ظهور الفجر، وصلى الفجر قبل الشروق بشيء قليل.

وقال: إن مواقيت الصلاة بين هذا وذاك.

خاتمة الدرس والتوديع

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.