سورة النساء | حـ 772 | 125 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 772 | 125 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

7 دقائق
  • الدين هو وضع إلهي جعله الله في صورة أحكام شرعها للناس، وليس من هوى البشر أو حكم الأنبياء.
  • لا حاكم إلا الله ولا إله إلا الله، فهو وحده المشرع ومنزل الدين، وهو واضع الحسن والقبح والقيم والأخلاق.
  • يوجد وضع إلهي كوني كالشمس والقمر والفصول، ووضع إلهي ديني يهدي الإنسان في أفعاله.
  • الدين يسوق أصحاب الفطرة السليمة إلى الخير في الدنيا والآخرة ويؤدي إلى سعادة الدارين.
  • الصلاة الحقيقية تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتذكر العبد بربه وتدفعه للإصلاح ورد الحقوق.
  • من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فإن صلاته لم تؤد غرضها، وذلك بسبب فطرته المعوجة.
  • ينبغي الاستمرار على الدين حتى لو لم تكن الفطرة سليمة، فقد ينظر الله إلى العبد نظرة رحمة فتستقيم فطرته.
  • الصلاة التي لا تؤثر في صاحبها لا تصعد إلى الله، فإليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح.
محتويات الفيديو(7 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية من سورة النساء في أحسن الدين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125]

تستمر السورة في بناء نفسية المسلم الذي هو فرد من أفراد الاجتماع البشري الرباني كما يريده الله سبحانه وتعالى للبشر.

تعريف الدين بأنه وضع إلهي لا بشري وأن الحكم لله وحده

والدين هو وضع إلهي، يعني جعله الله سبحانه وتعالى في صورة أحكامه التي شرعها. هذا معنى الوضع؛ هو الجعل، جعل الشيء بإزاء شيء آخر.

فالذي جعل الله سبحانه وتعالى للناس من أحكام بإزاء الأفعال هو الله، وليس ذلك من هوى البشر ولا من حكم الأنبياء. فلا حاكم إلا الله بهذا المعنى، ولا إله إلا الله بهذا المعنى؛ بمعنى أن الله وحده هو الذي شرع، وأن الله وحده هو الذي أنزل الديانة.

ولذلك فالدين تعريفه أنه وضع إلهي وليس وضعًا بشريًا، إنما هو وضع إلهي:

﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا إِلَّآ إِيَّاهُ﴾ [يوسف: 40]

فالحاكم هو الله؛ بمعنى أنه لا مشرع مع الله.

الله وحده هو الذي وضع الحسن والقبح وبيّن أحكام الأفعال

الذي وضع الحسن والقبح، والذي وضع القيم والأخلاق، والذي بيّن أحكام الأفعال من حق وباطل وخير وشر وصحة وفساد هو الله.

والذي قال لنا: افعل، فأوجب علينا وندب وأباح، أو قال: لا تفعل، فحرّم علينا أو كره لنا ذلك، هو الله. فالحكم لله [وحده سبحانه وتعالى].

الوضع الإلهي نوعان: وضع كوني في الكون ووضع هادٍ في الدين

وضع إلهي يسوق أصحاب الفطر السليمة إلى ما فيه خير. تعريف الدين كذا: وضع إلهي.

والوضع الإلهي نوعان: هناك وضع إلهي كوني؛ فوضع الله سبحانه وتعالى الشمس والقمر والسماء والأرض والنجوم وجعلها علامات:

﴿وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16]

وعلامات وبالنجم هم يهتدون. ولكن هذا وضع إلهي كوني؛ أن الشمس تشرق من المشرق وتغرب في المغرب، وأن معظم الدنيا تقوم على الشتاء والصيف والخريف والربيع، وأن اليوم يتناوب بين الليل والنهار. وضع إلهي ولكنه وضع إلهي كوني.

أما الدين فهو وضع إلهي يهدي، وهدف الدين هو أن يمهد للإنسان طريقه في هذه الحياة الدنيا في أفعاله.

الفطرة السليمة شرط لانتفاع الإنسان بالدين وما معنى الفطرة المعوجة

يسوق [الدينُ] ذوي الفطرة السليمة؛ يجب أن تكون فطرتك سليمة حتى يستطيع الدين أن يصل بك إلى بر الأمان.

والفطرة المعوجة ما هي؟ الفطرة المعوجة أن الدين لا يسوقك، بالرغم من أنه دين وبالرغم من أنه وحي إلهي، لا يسوقك إلى الخير. على حد قول: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء [فلا] صلاة له؛ يعني لم تؤدِّ الصلاة الغرض الذي من أجله وُضعت.

فلمّا وُضعت الصلاة:

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]

فسبب الصلاة أنها تذكّرك بالله، وأنك بهذه الذكرى تنتفع؛ فتتذكر الخير والشر، وتتذكر التقصير الذي أنت فيه، فتتوب إلى الله وتنتهي وتردّ الحقوق إلى أصحابها، وتحدث همة عندك في الإصلاح لا الإفساد.

الصلاة الحقيقية تنهى عن الفحشاء والمنكر وصلاة الفطرة غير السليمة لا تصعد

هدف الصلاة هكذا: تنهاك عن الفحشاء والمنكر. إن الصلاة الحقيقية التي تؤتي ثمارها تنهى عن الفحشاء والمنكر.

أما الصلاة التي لا تنهى عن الفحشاء والمنكر فتكون قد تعاملت مع فطرة غير سليمة، ولذلك لا تصل إلى غايتها. ولذلك فأنت مصلٍّ في الظاهر، ولكن في الحقيقة صلاتك لا تصعد إلى بارئها، إلى ربك، بل تبقى معلقة فوق رأسك قليلًا غير راغبة في الصعود.

﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10]

فهي تصعد إليه: الكلمات الطيبات والأعمال الصالحات. ولمّا كانت هذه الصلاة ليست من هذا الجنس [الطيب الصالح] فلا تصعد ولا تؤثر.

الدين يحقق سعادة الدارين ووجوب الاستمرار عليه حتى مع اعوجاج الفطرة

لا بد أن الوضع الإلهي يسوق ذوي الفطر السليمة إلى ما فيه خير في الدنيا والآخرة. ولذلك قالوا إن الدين يؤدي إلى سعادة الدارين: دار الدنيا ودار الآخرة. في الدنيا:

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

وفي الآخرة الجنة ونعيمها.

إذن هذه الصلاة وهذه العبادة وهذا الدين إذا ما أُدِّي على وجهه فإنه يؤثر في أصحاب الفطرة السليمة. فواحد يأتي يقول لك: إذن الصلاة لا تريد أن تنهى هذا عن الفحشاء والمنكر؟ نقول له: إذن ألا يصلي؟! فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: لعل صلاته أن تنهاه يومًا؛ يمكن مرة يفيق ويعتدل فصلاته تعدله.

ولذلك لا بد علينا أن نستمر على الدين سواء كانت فطرتنا سليمة أم لم تكن سليمة؛ لأنه في يوم من الأيام سينظر إلينا الله بنظرة الرحمة ويقوّم فطرتنا ونصل إلى خيرنا.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.