سورة النساء | حـ 759 | 115 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 759 | 115 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

9 دقائق
  • الآية "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا" لها دلالتان: دلالة السياق والسباق، ودلالة استقلالية.
  • دلالة السياق تتعلق بوجوب عدم مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم مخالفته أو عصيانه، وضرورة اتفاق الأمة على ذلك.
  • الدلالة الاستقلالية تعني انتزاع الكلام من سياقه ليدل على معنى إضافي لا يعارض المعنى الأصلي.
  • اعتمد العلماء على الدلالة الاستقلالية عبر التاريخ لأن القرآن كلام الله لفظاً ومعنى، وكل حرف وحركة فيه من عند الله.
  • من أمثلة الدلالة الاستقلالية: استدلال العلماء بآية "فاعتبروا يا أولي الأبصار" على مشروعية القياس الفقهي.
  • استنبط العلماء من "خلقكم وما تعملون" أن الله خالق أفعال العباد، مع أن سياقها يتعلق بإبراهيم ومخاطبة الكفار.
  • استدل الإمام الشافعي من "ويتبع غير سبيل المؤمنين" على حجية الإجماع، وهذا من الدلالة الاستقلالية.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة الحلقة وتلاوة آية مشاققة الرسول من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]

وفي هذه الآية لها دلالة سياق وسباق، ولها دلالة استقلال.

دلالة السياق والسباق في آية مشاققة الرسول وصفات القيادة

أما دلالة السياق والسباق فقد تحدثنا عنها في حلقة سابقة، وتكلمنا عن أن هذه الآية تبيّن صفات القيادة متمثلةً في أعلاها وهي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه يجب ألا يُشاقَّ وألا يُخالَف وألا يُعصى، وأن تتفق الأمة على هذا.

هذه دلالة تُسمى دلالة السياق، تعني إذا قرأنا ما قبلها وما بعدها خطر في بالنا وفهمنا من دلالات ألفاظها هذا المعنى:

﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: 115]

أمرٌ واضح [في دلالة السياق].

مفهوم الدلالة الاستقلالية وانتزاع المعنى من كلام الله

ولكن الدلالة الاستقلالية [تعني] أن تنتزع الكلام؛ لأنه من كلام الله، من وسياقه ولحاقه، فإذا به يدل على معنى آخر لا يعارض ذلك المعنى الأول، بل يضيف إليه معنى جديدًا.

والدلالة الاستقلالية أخذ بها العلماء عبر التاريخ، واستدلوا بها واعتمدوا عليها. وسبب هذا أن هذا الكتاب [القرآن الكريم] نؤمن أنه من عند الله، ليس بالمعنى بل باللفظ، ليس بالجملة بل بالتفصيل.

نؤمن أن كل حرف فيه إنما هو من عند الله، ونؤمن أن كل حركة على كل حرف هي من عند الله، ونؤمن أنه محفوظ بحفظ الله. ومن أجل ذلك جاءت فكرة الدلالة الاستقلالية؛ وهذا الكلام والجملة المفيدة هي من عند الله وحده، نعم هي من عند الله وحده.

استدلال العلماء بالدلالة الاستقلالية على حجية القياس في أصول الفقه

ولذلك تراهم استدلوا على حجية القياس في أصول الفقه، يعني في شيء ورد في الشريعة وشيء لم يرد في الشريعة، فيقيسون الذي لم يرد على الذي ورد.

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«لا يبيعُ أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطبُ على خطبة أخيه حتى يَذَر»

فإذا نصّ لنا على ماذا؟ على شيئين: [البيع والخطبة].

مثال تطبيقي على النهي عن البيع على بيع الأخ والخطبة على خطبته

أن أنا وأنا واقف عند البائع وجدت شخصًا يمسك بقطعة القماش الأخيرة ويشتريها منه، فجئت وتدخلت في الأمر وقلت له: بكم ستبيعها له؟ قال لي: بمائة جنيه، فقلت له: أنا سأدفع مائة وعشرة، فأفسدت البيعة على أخي وهو ما زال يمسكها، فيتحسر ويحزن، فيحدث نزاع وخصام.

كذلك [في الخطبة] قال لي: بارك لي، ما هو الخير؟ قال: هذا أنا خطبت فلانة. قلت له: ما هو طيب، وأذهب أنا بالليل، هو الولد كان من أمس عندكم يخطب؟ نعم. لا، هذا أنا أريد أن أخطب، هو يدفع مهرًا كم؟ ثلاثين ألفًا، أدفع ستين! الله، إنها بيعة الشروة [أي المزايدة]، تكسر ما يزعجه في الستين، وتبقى العملية ما هي حتى يذهب لغاية ما يترك البيعة [أي الخطبة]، اشترِ أنت إذن بعده.

لكن هكذا النزاع والخصام، وتهبط على الأمر هكذا وعينك فيها ما لا يصح.

قياس الإجارة على البيع والخطبة كمثال على حجية القياس

النبي صلى الله عليه وسلم تكلم عن ماذا؟ عن البيع وعن الخطبة. طيب، افترض واحد يذهب يستأجر شقة، ينفع أذهب إليه وآخذ الشقة وأقول له: ستؤجرها له بكم؟ مائتين وخمسين في الشهر؟ لا، ندفع مائتين وثمانين.

حسنًا، ما هي [العلة]؟ واحد يقول لك: لا، هذا ليس بيعًا ولا شراءً. قال له: قياسًا، ما هو؟ هذا قياس على هذا [أي قياس الإجارة على البيع].

فالقياس هذا ما دليله؟ ذهبوا فأتوا بآية الحشر:

﴿فَٱعْتَبِرُوا يَـٰٓأُولِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ [الحشر: 2]

الاستدلال بآية فاعتبروا على القياس من باب الدلالة الاستقلالية

طيب، واعتبروا يا أولي الأبصار، هذه لها علاقة بالقياس؟ هذه تتحدث عن اليهود وما حدث مع اليهود والمصائب التي فعلوها في التاريخ، فبعد ذلك قال:

﴿فَٱعْتَبِرُوا يَـٰٓأُولِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ [الحشر: 2]

لماذا هذه الدعوة [استُدلّ بها على القياس]؟ بقياس الإجارة على البيع ما له علاقة في السياق، ولكن له علاقة في الدلالة الاستقلالية.

مثال آية خلقكم وما تعملون والدلالة الاستقلالية على خلق أفعال العباد

﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]

من الذي يقول هذا؟ إبراهيم [عليه السلام] يقول للكفار: إن ربنا خلقكم وخلق الأصنام التي تعبدونها. هذا الكلام في السياق والسباق أنه كلام سيدنا إبراهيم للكفار، يقول لهم: والله يا جماعة يا كفار، إن ربنا خلقكم وخلق الصنم الذي تعبدونه، فأنتم الاثنان مخلوقان.

قوم يأخذون [هذه الآية فيقولون]: استنبط العلماء من هذه الآية أن الله خلق أفعال العباد:

﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]

فالذي تعمله قد خلقه الله أيضًا. فما علاقة هذا بالسياق والسباق؟ لا توجد علاقة.

الجملة المفيدة في القرآن تحمل دلالات متعددة لا تتعارض

فلماذا فعلنا هكذا؟ لأن "خلقكم وما تعملون" جملة مفيدة أم لا؟ إنها جملة مفيدة، إذن فهي تفيد أشياء كثيرة، من بينها أنه خلقكم وخلق الأصنام التي كنتم تعبدونها، ومن ضمن ذلك أنه خلقكم وخلق أفعالكم.

شيء عجيب! هذا القرآن واسع. فإذا كان ربنا خلقني وخلق فعلي، هل يتعارض هذا الكلام مع أنه خلق الكافر وصنمه؟ أبدًا. هل يتعارض مع أنه خلق الدنيا والآخرة؟ أبدًا، لا يتعارض.

إذن فالدلالة الاستقلالية تضيف للمعنى الأصلي ولا تعارض.

مثال آية ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة والدلالة الاستقلالية على حرمة الانتحار

﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]

يأخذوا بها دليلًا على حرمة الانتحار مثلًا. طيب، هذه لا علاقة لها بذلك [في السياق]؛ هذا يقول لك الإنفاق في سبيل الله، نحن الآن في الإنفاق في سبيل الله، ولا تضيّع نفسك وتمنع الإنفاق في سبيل الله فتؤدي بنفسك إلى التهلكة.

ما علاقة وما شأن الانتحار؟ لا [علاقة في السياق]، هذه هي الدلالة الاستقلالية تستوجب ذلك [أي تستوجب الاستدلال بها على حرمة الانتحار أيضًا].

استنباط الإمام الشافعي حجية الإجماع من الدلالة الاستقلالية لآية سورة النساء

فذهب الإمام [الشافعي] ليقول إن هذا ما كان السلف يفكر فيه، ما هي؟ آية واثنان وثلاثة [من الأمثلة السابقة]. والإمام الشافعي ذهب وانتبه هكذا في لحظة أنه:

ما هو "ويتبع غير سبيل المؤمنين"؟ ما هذا "ويتبع غير سبيل المؤمنين"؟ قال: إذن الإجماع سائر في جهة وصديقنا خالفه، يبقى اتبع غير سبيل المؤمنين أم لا؟

الآية وأنت تقرأها تعني كفر، لكن الآية التي فهمها الشافعي [تعني] كفر أو خالف الإجماع. خالف الإجماع، هذه نقضت كفرًا أم لم تنقضه؟ هذه أضافت إليه.

يبقى هذا من قبيل الدلالة الاستقلالية. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.