سورة النساء | حـ 742 | 96 - 97 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 742 | 96 - 97 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • من موجبات المغفرة مشاركة الإنسان في بناء المجتمع وعمارة الكون بعبادة الله وتزكية النفس.
  • فضّل الله المجاهدين على القاعدين درجة، ووعد كلا منهما الحسنى وأجراً عظيماً.
  • تُلتمس المغفرة بالدعاء والبحث عن أوقات استجابته كإفطار الصائم والثلث الأخير من الليل وأعقاب الصلوات.
  • هناك أماكن مباركة لاستجابة الدعاء كالكعبة وحجر إسماعيل وعند قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
  • من جوامع الدعاء قول: "اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة".
  • للاستغفار آثار في الدنيا كتوسيع الأرزاق، وفي الآخرة كتخفيف الحساب والإظلال في ظل الرحمن.
  • من وسائل تجديد الإيمان المداومة على ذكر الله وخاصة قول "لا إله إلا الله".
  • الرحمة التي تأتي بعد المغفرة تجعل الإنسان محباً للناس ومتسامحاً معهم.
  • المغفرة والرحمة تمنحان راحة نفسية ونوراً في الوجه والقلب.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان موجبات المغفرة من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم اشرح صدورنا مع كتاب الله وفي سورة النساء، حيث يبين لنا ربنا سبحانه وتعالى موجبات المغفرة.

ومن موجباتها أن نشارك في بناء المجتمع البشري، وأن نشارك في عمارة الكون بعبادة الله وتزكية النفس. ولذلك نرى الله سبحانه وتعالى قد فضّل المجاهدين على القاعدين درجة، وفضّلهم أيضًا وإن وعد كلًّا منهما الحسنى أجرًا عظيمًا.

فضّل المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا بعد أن وعد الله كلًّا منهما الحسنى، ثم قال:

﴿دَرَجَـٰتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ [النساء: 96]

وتكلمنا عن الدرجات ثم تكلمنا عن المغفرة.

موجبات المغفرة من المشاركة في بناء المجتمع والإخلاص لله

فمن موجبات المغفرة أن تشارك في بناء مجتمعك، وأن تصبر على بلاء الناس، وأن تبني وأن تعمّر لا أن تدمّر.

ومن موجبات المغفرة أن تُخلص ذلك [العمل والبناء] لله رب العالمين؛

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»

ومن موجبات المغفرة أن تطلبها وأن تلتمسها. تطلبها يعني في الدعاء: اللهم اغفر لي، اللهم اغفر لي، اللهم اغفر لي.

التماس أوقات وأماكن استجابة الدعاء لطلب المغفرة

وأن تلتمسها [المغفرة]؛ يجب أن تبحث عن الأزمان التي يستجيب الله فيها الدعاء. فالله يستجيب الدعاء عند فطر الصائم، والله يستجيب الدعاء في دُبُر كل صلاة، والله يستجيب الدعاء في السَّحَر في الثلث الأخير من الليل.

وتبحث عن المكان وتلتمسه، كالكعبة عند النظر إليها، أو عند الملتزم لأنه قد التُزم فيه إجابة الدعاء، أو في حِجر إسماعيل تحت الميزاب، أو عند قبر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

أماكن مباركة طيبة طاهرة، طهّرها الله سبحانه وتعالى ظاهرًا وباطنًا، وجعلها محل نظره سبحانه، ولذلك ففيها استجابة الدعاء.

وصية النبي لعائشة بدعاء ليلة القدر وجوامع الاستغفار

ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يوصي عائشة رضي الله تعالى عنها أنها لو وجدت ليلة القدر وصادفتها ووافقتها فإنها تقول:

«اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة»

نسأل الله العفو والمغفرة والتجاوز والمسامحة. وهذا من جوامع الدعاء؛ لأنه يشمل كل مقتضيات الاستغفار.

وقال تعالى:

﴿ٱسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَـٰرًا﴾ [نوح: 10-12]

آثار المغفرة من الستر الجميل وتخفيف الحساب وظل الرحمن

والمغفرة تستر الستر الجميل في الدنيا والآخرة. إن المغفرة تخفف الحساب، والمغفرة توجب ظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظله.

قال رسول الله ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»

لما جمعوا هذه الصفات وجدوها نحو تسعين صفة في السنة، جمعها الشيخ الزرقاني في شرحه على الموطأ. قوم تجدهم في الأحاديث هم في [ظل الرحمن]، يقول: ما هو سبعة [فقط]، فضل الله واسع! فأخرجوا تسعين [صفة].

ومنهم المستغفر الذي يعمل بالاستغفار.

انتهاز فرصة العبودية لله الكريم وتجديد الهمة عند الكسل

إذن فعليك أن تنتهز هذه الفرصة؛ أنك عبد لرب كريم رحيم، بدأك فقال: بسم الله الرحمن الرحيم. فانتهزها إذن فرصة، واخجل واعمل ولا تكسل.

وكلما جاءك هكذا كسل — طبيعة الإنسان — وملل أيضًا طبيعة الإنسان، وإحباط مع شيء يُحبط، لا! جدّد الهمة.

قال رسول الله ﷺ: «جدّدوا إيمانكم»

كيف نجدد إيماننا يا رسول الله؟ نذهب نخلعه ونشتري إيمانًا آخر أم نفعل ماذا؟ جدّدوا إيمانكم، كيف يعني؟ قال:

«جدّدوا إيمانكم، قولوا لا إله إلا الله»

أثر كلمة التوحيد في الكون وفضل الذكر وأهميته

انظر تأثير الكلام في الكون! عندما تقول لا إله إلا [الله] وتُخرجها هكذا من قلبك طيبة:

قال رسول الله ﷺ: «خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله»

لها أثر وهو هذا الأثر الخاص بالذكر. سمعت أحدهم يقول في الفضائيات: ما الذكر ولماذا؟ ما الذكر ولماذا نذكر؟

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]

﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45]

فضل التسبيح بعد الصلاة ومداومة الذكر لترطيب اللسان

ذكر ماذا؟ هل لنا إلا الذكر!

قال رسول الله ﷺ: «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»

وعندما علّمنا [النبي ﷺ] بعد الصلاة نقول: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين، الحمد لله ثلاثًا وثلاثين، الله أكبر ثلاثًا وثلاثين؛ حتى يوازي أجر الفقراء أجر الأغنياء الذين يتصدقون مما أفاء الله عليهم.

فقالوا: ولا يأتي بأحد خيرًا من ذلك إلا رجل قال أكثر من هذا. في الأكثر هو نعم! سبّح بالليل والنهار حتى يرضى، وقال له: لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.

فاذكر على الدوام، لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله. فهذا اللسان يجف، أجل حقيقته رطوبة عند الله وإن كان يجف.

آثار المغفرة في الدنيا والآخرة من توسيع الأرزاق وستر العيوب

درجات منه ومغفرة، فالمغفرة لها آثار في الدنيا من توسيع الأرزاق وما إلى ذلك، ولها آثار في الآخرة؛ ستخفف عنك الحساب وتجعل الحساب يسيرًا، وتجعلك في ظل الرحمن، وستسترها عليك.

هذه حكاية ستسترها عليك! هذه لو فقط أنت فكّرت فيها قليلًا هكذا لن تنام الليلة لوجه الله. هذه شيء غريب والله!

إذن كل الهمسة واللمسة التي نجلس نخفيها عن الناس فيها، هذه لا! ما أنت يجب أن تكون شفافًا من الداخل.

طيب، ومن الذي هكذا [معصوم من الذنوب]؟ ما يوجد أحد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم.

المشاركة في الخير طريق المغفرة والعبودية الربانية

فماذا نفعل إذن؟ هذا أمر قاسٍ جدًّا! قال: لا، ليس بقاسٍ ولا شيء. شارك يا أخي؛ لأن هذا [العمل الصالح والمشاركة في بناء المجتمع] ينفعك في يوم القيامة، ويغفر لك، ويستر عيبك، ويغفر ذنبك، وييسّر غيبك [حسابك].

وتصبح عبدًا ربانيًّا جميلًا، تقول للشيء كن فيكون بالدعاء — ليس في ذاتك وإنما بالدعاء — يا رب اعمل كذا، فتجد الشيء الذي في الكون على قدر مرادك.

هل من شيء أجمل من هذا؟ لا يوجد! وكل هذا يزيدك تواضعًا ويزيدك حبًّا في ربك.

المغفرة تورث الرحمة والرحمة تورث حب الناس ونور الوجه

فماذا يحدث [بعد ذلك]؟ تأتي الرحمة. إذن المغفرة عندما تحصل — ربنا غفر لك — فتشعر بالرحمة. وهذه الرحمة أساس الحب، فيدفعك هذا الشعور بأنك في رحمة وفي بحبوحتها لأنك تحب الناس.

وكل واحد يأتي لك بسيرة أحد تقول له: يا شيخ، لعله لا يقصد ذلك. يقولون لك: لقد قال كذا وكذا! لا يا شيخ، هذا رجل طيب. وتجدك تحب الناس رغمًا عنك.

طيب، وحبك هذا للناس ماذا يفعل؟ يمنحك راحة نفسية، ويجعل وجهك منيرًا، بدلًا من أن تنظر إلى أحدهم فتجدهم مظلمين هكذا يُشعّون ظلامًا.

مصادر النور من القرآن والذكر والرحمة وختام الدرس

لا، ليس هناك ظلام، بل يوجد نور! هذا النور يمكن أن يأتي من القرآن، يمكن أن يأتي من الذكر، يمكن أن يأتي من الرحمة.

كل هذا [النور] تنظر إلى أحدهم هكذا تجد النور. من أين يأتي؟ ما أسبابه؟ هذه أسباب، منها الرحمة.

﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 96]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.