سورة النساء | حـ 741 | 95 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •فضّل الله المجاهدين على القاعدين درجةً، والدرجة قد تكون ما بين السماء والأرض.
- •صلاة الجماعة تزيد على صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة وفي رواية بسبع وعشرين درجة.
- •السماوات سبع، وكل سماء في التي تليها كحلقة في فلاة، حتى يصل الإنسان إلى عجز التصور.
- •الإنسان في ذاته ضعيف، قيمة مكوناته المادية زهيدة، لكن الله كرّمه ونفخ فيه من روحه وآتاه العقل.
- •المجاهدون نالوا درجات عظيمة من الله، والدرجة الواحدة مسافتها خمسمائة سنة.
- •فضل الله واسع لا يتناهى، فهو ملك الملوك ومالك يوم الدين.
- •يوم القيامة يمتد خمسمائة سنة، تُعرض فيه أعمال العباد أمام الخلائق.
- •المغفرة نعمة عظيمة، فمن غفر الله له ستره، ومن لم يغفر له افتُضح أمام الخلائق.
- •كل أعمال الإنسان مسجلة منذ ولادته حتى موته، والملائكة تحصي ذلك عليه.
تفضيل الله المجاهدين على القاعدين درجة عظيمة في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، والله سبحانه وتعالى يفضل المجاهدين على القاعدين درجة، والدرجة قد تكون ما بين السماء والأرض. والدرجة لو عرفنا حقيقتها لما ترك أحد منا الجماعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«صلاة الجماعة تزيد على صلاة الفذِّ -يعني صلاة الرجل وحده أو المرأة وحدها- بخمسٍ وعشرين درجة، وفي رواية بسبعٍ وعشرين درجة»
وهي ليست درجات سُلَّم، وإنما الدرجة فيها ما بين السماء والأرض.
نسبية الدرجة بين السماوات السبع وعظمة المسافة بينها
حتى وأنت تقول الدرجة ما بين السماء والأرض، فإن الأمر في غاية النسبية؛ لأن السماوات سبع، ما بين الأرض وأيِّ سماء؟ السماء الأولى تكون واسعة جدًا، فماذا عن الثانية؟ آه، هذه تكون أوسع؛ لأن السماء الأولى في السماء الثانية كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«حلقة في فلاة»
حلقة هكذا مثل هذه الدائرة التي بيدي هكذا في فلاة، يعني صحراء عظيمة لا تعرف بدايتها من نهايتها، هذه هي الفلاة. المرحلة الأولى [أي السماء الأولى] بالنسبة للثانية، والثانية في الثالثة كحلقة في فلاة، والثالثة في الرابعة وهكذا، حتى الخامسة في السادسة في السابعة، وبعد ذلك السابعة في العرش كحلقة في فلاة.
عجز التصور البشري عن إدراك عظمة السماوات والمسافات بينها
وهنا يصل الإنسان إلى ما يسميه بعضهم بـعجز التصور، في شيء يسمى عجز التصور، أي تتصور هكذا حلقة وأنت في الصحراء الغربية ملقاة حلقة أمامك وهذه الفلاة، وتلك الحلقة.
والثانية؟ أن الصحراء هذه كلها تكون هي الحلقة، والثانية شيء هكذا، ما نحن لا نراها؛ لأن ما الذي نحن نراه هو الثانية. والثالثة؟ لن نراها. إذن تقول: لا، لا أراها، ستتخيل هكذا الكرة الأرضية أو شيء هكذا.
وبعد ذلك قليلًا هكذا تأتي بما هو أكبر منها، فلا تعرف وتعجز، أي يتعب دماغك فتعجز عن التصور، بالرغم من أنه كلام له معنى.
محدودية الإنسان في تصور عظمة خلق الله وتكريمه رغم ضعفه
اجلس تتصور هكذا حلقة في فلاة، حلقة في فلاة، ولكن أنت وأنت محتفظ بالحلقة الأولى لست قادرًا على أن تأتي بأكثر؛ لأن نهاية إحساسك هكذا، ما أنت لا تراها حتى آخر الأفق من هنا والأفق من هنا والأفق من هنا، فيبقى إذا أنت محدود جدًا.
هذا أنت رملة، وبالرغم من ذلك كرَّمك [الله سبحانه وتعالى]:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]
وشرَّفك وسجدت لك الملائكة، فاستحِ إذن. هذا أنت هكذا، يعني في ذاتك ضعيف.
القيمة المادية للإنسان ضئيلة لكن تكريم الله له بالروح والعقل عظيم
وعندما حللوا الإنسان على كم يحتوي من الكالسيوم وكم من المغنيسيوم وكم من الماء؟ فتبين أنه يساوي مائة وخمسة وسبعين قرشًا، مائة وخمسة وسبعين قرشًا! والله مائة وخمسة وسبعين قرشًا وتسجد له الملائكة؟!
فلا بد أن يكون هناك معنى آخر؛ معنى أنك عبد لله فاتقِ الله، معنى أنه أقام فيك ونفخ فيك من روحه، وهذا النفخ من الروح يعني شيئًا مهمًّا.
معناه أنه آتاك العقل وجعله مناطًا للتكليف فجعلك مفكرًا، معناه أنه خلقك فأحسن صورتك، فينبغي أن تستحيي.
نسيان الإنسان لعهد ربه وتفضيل الله المجاهدين بدرجات عظيمة
ولكن وما سُمِّي الإنسان إلا لنسيانه، وما أول ناسٍ إلا أول الناس، فعاهد آدم ربه فنسي، نسي فنسيت ذريته.
فيقول [الله تعالى]:
﴿وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَـٰتٍ مِّنْهُ﴾ [النساء: 95-96]
انظر كيف أجرًا عظيمًا! الدرجة ما بين السماء والأرض، يمكن أيُّ سماء؟ قد تكون السابعة! الدرجة خمسمائة سنة، بأي سرعة؟ يمكن أكثر من الضوء.
درجات إذن، فضل عظيم فوق الدرجة، أجر عظيم فوق الدرجة، ثواب عظيم فوق الدرجة.
الدرجات لا تتناهى لأن فضل الله واسع لا حدود له
ومما تتكون [هذه الدرجات]؟ من درجات تُطلق على أقل ما يكون ثلاث درجات؛ لأنه أقل الجمع ثلاثة. حسنًا، وأكثر الجمع ما هو؟ لا نعرف؛ لأن العدد كلما أضفت إليه واحدًا ظهر عدد جديد، مليون فيصبح مليون وواحد، ديشليون.
يعني ما هو الديشليون؟ لا نعرف، إنه رقم وحسب، فيصبح ديشليون وواحد، ديشليون الديشليون وواحد. كذلك مثل الجماعة الذين يقومون بالمزاد، كلما قال شيئًا قال له يزيد شيئًا.
إذا كان الرقم لا يتناهى والعدد لا يتناهى، درجات فما هي إلا درجات جميعها. فانظر فضل الله واسع ولا سلطان لأحد عليه، وفضله عظيم عميم؛ لأنه لا يضره شيء ولا ينفعه شيء، هو ملك الملوك ومالك يوم الدين وملك يوم الدين.
المغفرة والرحمة وتسجيل الأعمال على الإنسان صوتًا وصورة
درجات منه ومغفرة ورحمة، الدرجات حسنًا، ثواب ومتعة وراحة. والمغفرة هذه وحدها قصة.
أتعلم لو أنه غفر لك ماذا سيفعل؟ أنت لا تعلم مشاهد يوم القيامة، مشاهد يوم القيامة أصلًا أنك أنت يُسجَّل عليك كل شيء، أوديو فيديو، صوت وصورة، صوت وصورة.
كل شيء مسجل منذ لحظة ولادتك وصرختك تلك حتى موتك، في هذه الفترة مسجل ومكتوب عليه اسمك ورقمك وكل شيء، شريط قرص مدمج.
يوم القيامة خمسمائة سنة يُحاسب فيها الإنسان على كل أعماله
حسنًا، هذا التسجيل من يقوم به؟ الملائكة، وموجود في سورة ق وصف لهذه العملية.
حسنًا، وبعد ذلك يوم القيامة هذا كم مدته؟ خمسمائة سنة! خمسمائة سنة. طيب، هذا أنا عمري عشت في الدنيا مائة ومائة وعشرين، فهذه خمسمائة سنة؟ قال: نعم، خمسمائة سنة ستبقى يُحقَّق معك.
خمسمائة سنة؟! ستقف هكذا في عرصات يوم القيامة. طيب ستفعل ماذا؟ تخيل الخمسمائة سنة من خاصتنا، سيُريك أنت فعلت ماذا وسيناقشك حينئذ الله [سبحانه وتعالى].
انكشاف الأعمال يوم القيامة والمغفرة هي الستر من الفضيحة
إذا كنت عشت مائة سنة فسوف يناقشني في كم من المدة؟ سيناقشني في أشياء أوسع من ذلك والناس تتفرج.
يعني أنا الآن ظننت بك السوء، فسوف ينكشف هذا الكلام، يا لها من فضيحة! حسنًا، لقد فعلت بك مقلبًا، والله سوف ينكشف هذا، يا للخبر السيء!
حسنًا، وبعد ذلك ماذا نفعل؟ ندعو: يا رب استرنا في الدنيا وفي الآخرة. وهذا الستر من أين يأتي؟ من المغفرة.
إذا غفر الله لك ستر عليك، فقد غفر وهو كريم فلن يعود إليك مرة أخرى. وإن لم يغفر لك ستُفتضح أمام رؤوس الخلائق. أتحب هذا أم تحب ذاك؟ فشارك إذن.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
