سورة النساء | حـ 748 | 101- 102 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •الصلاة تحتل مكانة عظيمة في الإسلام كونها عماد الدين وركن من أركانه، وقد فرضها الله على جميع المسلمين كتابًا موقوتًا.
- •تميز المسلمون بأداء خمس صلوات يوميًا، وهي مفروضة على الجميع ممن بلغ سن التكليف من ذكور وإناث في كل الأحوال.
- •أجاز الله تعالى قصر الصلاة في حالة الخوف والحرب، بينما جاء قصر الصلاة في السفر وحال السلم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
- •وصف القرآن الكافرين بأنهم عدو مبين للمؤمنين، وهم يتربصون بهم ويريدون إيقاع الأذى بهم.
- •شرح القرآن صلاة الخوف التي تؤدى أثناء الحرب، حيث تقوم طائفة بالصلاة مع النبي ركعة ثم تنصرف للحراسة، وتأتي الطائفة الأخرى لتصلي الركعة الثانية.
- •بيّن الله ضرورة أخذ الحذر وحمل السلاح أثناء الصلاة في حالة الخوف، مع الرخصة في وضعه عند المرض أو المطر.
مقدمة في سورة النساء وبيان مكانة الصلاة العظيمة في الإسلام
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، والله سبحانه وتعالى يبين لنا أحوال الحرب والقتال ويربط ذلك كله بالصلاة؛ لأن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا، ولأن الصلاة هي عماد الدين، ولأن الصلاة هي ذروة السنام، ولأن الصلاة هي ركن من أركان الإسلام، ولأن الصلاة هي خير موضوع، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم عظّم شأن الصلاة.
ولأن صلاة المسلمين فريدة؛ لا توجد أمة على وجه الأرض يصلون خمس صلوات في اليوم والليلة، ومفروض ذلك على ذكورهم وإناثهم، على عالمهم وجاهلهم، على حضريهم وبدويهم، على كل أحد ما دام قد بلغ حد التكليف سوى المسلمين. المسلم فقط هو الذي يصلي لربه كل هذه الصلوات، والحمد لله رب العالمين.
الصلاة مفروضة في كل الأحوال في الحضر والسفر والسلم والحرب
فالصلاة تحتل عند المسلمين مكانة عظيمة، لا يؤديها الكاهن في المعبد ويترك الناس في الخارج لا يؤدونها، بل إن الصلاة كانت على المؤمنين أي جميعًا أي بكل أعمارهم وأحوالهم كتابًا موقوتًا.
ولذلك فهي مفروضة علينا في الحضر وفي السفر، في السلم وفي الحرب، في أشد ما نتلقاه من أذى من الناس.
مشروعية الجهاد دفاعًا عن الدعوة وقصر الصلاة في حال الحرب
الجهاد في سبيل الله شُرع دفاعًا عن الدعوة وإحقاقًا للحق وإبطالًا للباطل. الجهاد في سبيل الله كان لأن أولئك المشركين قد تكالبوا على المسلمين وأرادوا هلاكهم.
فانظروا في قوله تعالى:
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا﴾ [النساء: 101]
إذا المؤمنون في خوف والمشركون والكافرون يحيطون بهم ويتربصون بهم الدوائر، ويريدون أن يوقعوا فيهم القتل وأن يوقعوا فيهم الأذى. ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى قد أذن لنا أن نقصر من الصلاة الرباعية فتصير ثنائية.
قصر الصلاة في السفر جاء من السنة النبوية لا من القرآن وحده
لكن هذا [القصر المذكور في الآية] في حال الحرب، فأين جاء قصر الصلاة في حال الحضر؟ جاء من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول:
«تلك صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته»
والذين يكتفون بالقرآن وينكرون السنة النبوية الشريفة لا يعرفون هذا الحكم [حكم قصر الصلاة في السفر مطلقًا]؛ لأن القرآن عندما تحدث عن قصر الصلاة تحدث عن حال الحرب دون حال السلم.
والنبي صلى الله عليه وسلم بوحي من ربه عمّم هذا الحكم من الحرب إلى السلم إلى كل سفر. فالنبي صلى الله عليه وسلم في كلامه هو ركن من أركان الدين.
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ وَأُولِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]
عداوة الكافرين للمؤمنين عداوة بيّنة واضحة عبر التاريخ
هنا يقول [الله سبحانه وتعالى]:
﴿إِنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ [النساء: 101]
عدو لا يحتاج إلى دليل، عدو بيّن واضح، يقول إنه عدو المؤمن ويقول إنه عدو الكافر [أي يُعلن عداوته صراحة]. كل عاقل يرى أن هؤلاء أعداء للمؤمنين وأعداء للدعوة الجديدة [دعوة الإسلام]، وهم أعداء للمسلمين عبر التاريخ.
هناك عداء تاريخي قد استحكم في قلوبهم والعياذ بالله تعالى. العدو قد لا يكون واضحًا، قد يكون خفيًا ويشتبه عليّ إذا ما كان عدوي أو كان غير عدو أو كان حتى صديقًا، يشتبه عليّ الأمر. لكن هؤلاء [الكافرين] في عدائهم ليس هناك خلاف وليس هناك تردد.
أنواع صلاة الخوف وصورها المتعددة بحسب موقع العدو والقبلة
ثم يذكر الله سبحانه وتعالى ما أسميناه بصلاة الخوف وهي أنواع:
- •مرة يكون العدو في مواجهة.
- •ومرة وهو في مواجهتي يكون بيني وبين القبلة، يعني أنا متوجه إلى القبلة وهو أمامي ولكن القبلة أيضًا أمامي.
- •ومرة يكون العدو أمامي لكن القبلة خلفي.
- •ومرة يكون هناك بُعد بيني وبينه لم نشتبك بعد.
- •ومرة يكون هناك اشتباك بيني وبينه، حتى إنني مرة أكون أعلى منه في القتال الذي يسمونه بالسلاح الأبيض، وذلك أنني أشتبك معه جسديًا، مرة هو فوقي ومرة أنا فوقه.
فكل هذه الصور فصّلها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن ذكر القرآن الكريم شيئًا من أصولها حتى نهتدي بها إلى غيرها، وحتى نتأكد من لزوم اتباع المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وأن سنته الشريفة إنما هي تفسير للقرآن الكريم.
يقول الإمام الشافعي: ما من حديث وحكم ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وكأنه شرح للقرآن الكريم وهو يعتمد على آية فيه.
كيفية صلاة الخوف وتقسيم الجيش إلى طائفتين للصلاة مع النبي
﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ [النساء: 102]
إذن فالنبي صلى الله عليه وسلم سوف يكبّر وهناك طائفة ستصلي معه. عندما تصلي معه سوف تصلي معه ركعة، وبعد ذلك كأنها تنفصل عنه وتقوم الطائفة الأخرى من النصف الآخر لتصلي معه الركعة الثانية.
فالأربع [ركعات] أصبحت اثنتين: نصف الجيش يصلي معه الركعة الأولى، ثم النصف الآخر يصلي معه الركعة الثانية، والأول [النصف الأول] يترصد العدو؛ لأنه خائف، لأن العدو غدّار، لأنهم قد يميلون عليهم ميلة واحدة. ولذلك هو يحذر هذه الحال.
تفصيل آية صلاة الخوف والتحذير الرباني من غدر الكافرين
﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوٓا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَآئِكُمْ﴾ [النساء: 102]
يعني الطائفة الثانية في النصف الثاني يكونون واقفين بباب العدو [أي في مواجهته].
﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: 102]
الركعة الثانية، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم.
﴿وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَٰحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: 102]
هذا تنبيه ربّاني [بضرورة الحذر الدائم من العدو].
﴿إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [النساء: 102]
اللهم سلّم يا رب العالمين، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
