سورة النساء | حـ 743 | 97 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 743 | 97 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

8 دقائق
  • يتحدث القرآن في سورة النساء عن مصير الظالمين لأنفسهم حين توفاهم الملائكة، فتسألهم عن أعمالهم وتحاسبهم على مسؤولياتهم.
  • يعتذر الظالمون بأنهم كانوا مستضعفين في الأرض، فترد عليهم الملائكة بحجة قاطعة: "ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها".
  • الملائكة تكشف تقصيرهم وعدم مبادرتهم للتغيير رغم قدرتهم على الانتقال من أماكن الظلم.
  • مصير هؤلاء الظالمين لأنفسهم جهنم وساءت مصيرًا.
  • الهجرة في الإسلام تنقسم إلى نوعين: هجرة أمن كهجرة الصحابة إلى الحبشة هربًا من اضطهاد المشركين، وهجرة إيمان كانتقال النبي من مكة إلى المدينة.
  • استمرت الهجرة حتى فتح مكة، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية".
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة سورة النساء وأسس الاجتماع البشري في القرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع سورة النساء في كتاب ربنا سبحانه وتعالى، يقول ربنا وهو يعلمنا أسس الاجتماع البشري في هذه السورة العظيمة، ومن هذا المدخل العظيم يقول ربنا سبحانه:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ﴾ [النساء: 97]

يسألهم الملائكة، وعندما تقف عليها تقول "فيمَ"، لا يوجد وقف، ولكن لو وقفت لانتهاء النفس لم يكن فيها ألف، فنقول ماذا؟ "فيمَ"، ذلك هو قالوا: "فيما كنتم".

ترهيب الله للظالمين أنفسهم وسؤال الملائكة لهم عند الوفاة

الملائكة هنا تتوفى الذين ظلموا أنفسهم، إذن فهذا ترهيب؛ ربنا يرهبنا، يعني يأمرنا بشيء: ألا نعمل كذلك، ألا نكون ظالمين أنفسنا.

ويبين أن الملائكة تبدأ التحقيق ونحن لا نزال في علقة في الدنيا، قبل يوم القيامة. فتأتي الملائكة للظالم نفسه وتقول له: فيما كنت؟ أو فيما كنتم تعملون؟ أنتم كنتم تعملون ماذا؟

هذا سؤال يعطيك أو يبحث عن المسؤولية؛ ما دمت أنت مسؤولًا، هكذا مسؤول، لأن الملائكة تسألك فأنت مسؤول، لأن الله سبحانه وتعالى أعطاكم قدرة فسيسألكم عنها.

أسئلة الملائكة التفصيلية عن التقصير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

فيما كنتم؟ لماذا قبلتم بالظلم؟ لماذا لم تتكلموا بكلمة الحق؟ لماذا لم تشاركوا في بناء وعمارة الكون؟ لماذا لم تشاركوا في القتال في سبيل الله وتوليتم؟ لماذا فعلتم هذا؟

بالرغم من أنكم لو أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر وشاركتم في البناء، لكان خيرًا لكم ولمجتمعكم ولأبنائكم من بعدكم، وكنتم فعلتم مراد الله في كونه.

فما الذي يمنعكم من هذا؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض.

محاولة الإنسان إلقاء المسؤولية على غيره وتهربه من المحاسبة

وهو [هذا الجواب] كان بعيدًا عنك، متكبرًا في الأرض وذاهبًا آيبًا، إنما يريد [الإنسان] لأن الإنسان يلقي العيب والمسؤولية على غيره: أنا ما لي علاقة، هذا هم الذين قالوا لي.

من هم؟ نحن الذين نكلمك! أنت لماذا لم تعمل؟ قال: إنهم الذين قالوا لي. فمن هم إذن؟

نعم، إنه يكلمهم [الملائكة] كما يتكلم في الدنيا، لكن الملائكة تعرف الحقيقة، والملائكة تتلقى الأوامر من ربنا.

هل الملائكة مثلنا هنا؟ نجلس نضحك على بعضنا البعض، ونكذب على بعضنا البعض، ونكذب على أنفسنا؟ هذا نحن نكذب على أنفسنا.

رد الملائكة على دعوى الاستضعاف وكشف التواء بني آدم

فيما كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض. كنتم مستضعفين في الأرض، يعني ماذا؟ الملائكة لا تفهم هذا الالتواء.

هذا الالتواء هو الذي بنو آدم سيفعلونه على أنفسهم وعلى ربهم وعلى الملائكة، لا يخدعهم.

فيما كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض. يعني ماذا كنتم مستضعفين في الأرض؟ يعني أنكم كنتم لا تقدرون على الحركة.

انظر هكذا في الأمر: هل كان لديه شلل الأطفال؟ لا. هل كان مقعدًا؟ لا. فهل كان كفيفًا؟ لا. والله ما كان قادرًا على المشي بقدميه؟ ما كان قادرًا على العمل بيديه؟ ما كان قادرًا على التفكير بعقله؟ أبدًا، إنه سليم، فماذا إذن؟

حجة الملائكة الدامغة بسعة أرض الله وإمكانية الهجرة

ماذا يقول؟ فيما كانوا يقولون: كنا مستضعفين في الأرض. فقالت الملائكة:

﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97]

يعني أنتم كنتم محبوسين مثلًا؟ فواحد قال له: نعم، أنا كنت محبوسًا. قال له: حسنًا إذن، فهو معذور، غير أولي الضرر، وهذا من أولي الضرر، محبوس.

إذن ليس في الدنيا [كلها هكذا]؛ كان الإمام أبو حنيفة عندما قال له أحدهم: أنا حلفت على زوجتي ألا أبقى في الدنيا، إذا بقيت في الدنيا أطلقها، ماذا أفعل؟ قال له: ادخل السجن؛ لأن الذي يدخل السجن يصبح ليس في الدنيا.

تفنيد أعذار الظالمين أنفسهم وإقامة الحجة البالغة عليهم

أنت كنت كذلك؟ يعني كانوا يمسكونك ويضعونك في المعتقل، في السجن؟ قال: لا. فقالوا: أكنت أعمى؟ أكنت أعرج؟ أكنت كذا؟ قال: لا. قالوا: أكنت مريضًا مرض الموت هكذا؟ قال: لا أبدًا.

قالوا: أي كنت إنسانًا هكذا تمشي هكذا؟ فقالوا:

﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97]

لكي تنتقل من المكان الذي فيه ظلم إلى المكان الذي ليس فيه ظلم.

وبعد ذلك لا يوجد جواب؛ لماذا؟ إذن مثل حجة بالغة لا يوجد فيها جواب. إذن سيقول ماذا؟ ألم تكن أرض الله واسعة؟ فيكون كاذبًا وأدخل نفسه في مشكلة أخرى، فسكت، لا يوجد جواب.

حكم الله على الظالمين أنفسهم بجهنم بعد إقامة الحجة عليهم

فربنا قال ماذا بعدها؟

﴿فَأُولَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97]

يعني انتهى الكلام؛ إذا أحضرت الملائكة الحجة التي لا تُرد.

أنواع الهجرة في الإسلام بين هجرة الأمن وهجرة الإيمان

الهجرة هي الانتقال من مكان إلى مكان، قد تكون هجرة أمن وقد تكون هجرة إيمان.

هجرة أمن مثل التي حدثت في الحبشة؛ انتقل الصحابة من وطأة العذاب في مكة ومن تضييق المشركين عليهم فيها في أموالهم وأنفسهم، إلى أرض فيها ملك لا يُظلم عنده أحد، النجاشي، فذهبوا.

وهجرة الإيمان هي الهجرة المصطفوية النبوية التي انتقل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من دار كفر إلى دار إسلام، من مكة إلى المدينة.

انتهاء حكم الهجرة بعد فتح مكة وحديث النبي في ذلك

وظلت الهجرة على هذا النحو حتى فتح الله على المسلمين مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية» [رواه البخاري ومسلم]

وفي حلقة قادمة نتحدث عن هذه الهجرة وكيف تكون. فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.