سورة النساء | حـ 760 | 115 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •استدل الإمام الشافعي بقوله تعالى: "ويتبع غير سبيل المؤمنين" على حجية الإجماع كمصدر من مصادر التشريع الإسلامي.
- •مصادر الشريعة الإسلامية أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
- •القرآن الكريم محفوظ بحفظ الله، وهو نفسه في كل مكان وزمان، وقد ترجم إلى مائة واثنين وثلاثين لغة.
- •تميز القرآن الكريم بكونه يحفظه الناس من مختلف الجنسيات والأعراق، بينما لم تحفظ ترجماته.
- •السنة النبوية أشد إعجازاً من القرآن، فلا يوجد على وجه الأرض من حفظ كلامه بالأسانيد سوى النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
- •يتردد اسم النبي محمد في الآذان خمس مرات يومياً في جميع أنحاء العالم.
- •قام علماء الحديث بتوثيق عشرين ألف راوٍ بملفات تفصيلية عن حياتهم وصفاتهم.
- •جمع العلماء مليون سند للأحاديث النبوية وميزوا بين صحيحها وضعيفها.
- •هناك من يحاول هدم هذا التراث العظيم الذي بناه الأسلاف.
افتتاح الدرس وتلاوة آية مشاققة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]
استدلال الإمام الشافعي بالآية على حجية الإجماع بعد تأمل طويل
إن في هذه الآية معنى في سياقها عرفناه، ولها معنى باستقلالها عرفناه. استدل بها الإمام الشافعي بعد أن بحث كثيرًا، وقيل أنه قرأ القرآن ستين مرة؛ كلما يمر على الآية لا ينتبه [لهذا المعنى المستقل]، لأن الآية التي قبلها والآية التي بعدها تجعله لا ينتبه، حتى هداه الله إلى أن كلمة ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هذه دلالة على الإجماع.
مصادر الشريعة [الإسلامية هي]: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
حفظ الله للقرآن الكريم وعجز أي كتاب آخر عن مثل هذا الحفظ
الكتاب [القرآن الكريم] محفوظ بحفظ الله والحمد لله؛ ما بين دفتي المصحف هكذا في الشرق والغرب، في السلف والخلف، هو كذلك. هو محفوظ ولا يوجد كتاب حُفظ كذلك.
تُرجم [القرآن] إلى مائة واثنين وثلاثين لغة، والناس سبحان الله يحفظون الكتاب العربي، ولا تستطيع أن تحفظ الكتاب الإنجليزي الذي هو ترجمة المعاني؛ لم يحفظها أحد. لا الفارسي ولا الهندي ولا الياباني ولا أي شيء، لم يحفظ أحد على وجه الأرض الترجمة.
وتجد [مسلمًا من] تركيا أو ملاويا أو أفريقيا قد حفظه كله، ويأتي في المسابقة العالمية ويأخذ جوائز وقد حفظه كله. هذا الكتاب، سبحان الله لا إله إلا الله، هو المصدر المحفوظ.
إعجاز حفظ السنة النبوية بالأسانيد وتفرد النبي ﷺ بذلك دون سائر البشر
والسنة النبوية أشد إعجازًا، أشد إعجازًا من القرآن الكريم [في جانب الحفظ بالأسانيد]؛ لا يوجد على وجه الأرض من حُفظ كلامه بالأسانيد سوى سيد الخلق صلى الله عليه وسلم.
المسيح عليه الصلاة والسلام، أحمد [محمد ﷺ]، فلا أحد من زعماء الأديان — كونفوشيوس ولا بوذا — ولا من الأنبياء، ولا من المفكرين، ولا من الشعراء، ولا من أي أحد. ما من أحد منذ عهد سيدنا آدم حتى اليوم، ما من أحد حُفظ كلامه بالسند.
أليست هذه عجيبة غريبة؟ بلى، إنها لعجيبة. أليس هذا الرجل [محمد ﷺ] فريدًا وحيدًا لا مثيل له؟ بلى، هو كذلك.
تفرد النبي ﷺ بأن اسمه يُردد في الأذان خمس مرات يوميًا في كل الأرض
دعوني أقول لكم شيئًا: هل هناك من يُؤذَّن باسمه في الأرض خمس مرات في اليوم؟ لا أحد غير النبي ﷺ.
هل يقولون مثلًا عن الرئيس الفلاني — بوش مثلًا — بوش الزعيم الأمريكي: "بووووووووووووش"؟ لماذا تضحكون؟ إن هذا يحدث فقط مع سيد الخلق [محمد ﷺ] فقط.
ما من أحد آخر اسمه يتردد هكذا: "وأشهد أن محمدًا رسول الله"، هكذا لا يوجد أحد [سواه]. إن ذلك شيء غريب عجيب.
حفظ السنة النبوية بالأسانيد وتوثيق عشرين ألف راوٍ في ملفات مفصلة
فهذه السنة محفوظة بأسانيد، فيها الصحيح وفيها الضعيف. يأتي الآن من يريد أن يهدم وليس أن يبني! آباؤنا بنوا وآباؤنا شيّدوا، ويبدو أن بعضنا يريد أن يهدم ما بناه آباؤنا. آباؤنا بنوا الأهرامات [أي: صروح العلم]، وهذا يريد أن يهدم الهرم!
آباؤنا جمعوا السنة النبوية بالأسانيد. كم راوٍ ذُكر في تلك الأسانيد؟ عشرون ألفًا. كل إنسان من العشرين ألفًا، كل فرد منهم له ملف [تفصيلي]: ما اسمه؟ ما اسم أبيه؟ ما كنيته؟ أين كان يسكن؟ كيف قام برحلته؟ من شيوخه؟ من تلاميذه؟ من أقرانه؟ هل كان يؤلف كتبًا؟ ما أسماؤها؟ إلى من كان يذهب؟ من كان يأتي إليه؟ ما كانت درجته؟ سواء كان واعيًا أم متوسط الحال أم غافلًا أم ناسيًا ينسى أم ضعيفًا أم كاذبًا.
مليون سند وستون ألف حديث وجهود العلماء العظيمة في حفظ السنة النبوية
عشرون ألف إنسان عملوا مليون سند. يمكن جدًا في ملف من الملفات أن يُفتح فيقول لك: والله إن هذا الشخص غير معروف، مجهول؛ فيصبح الأمر منتهيًا فلا نأخذ به.
كم سندًا أعدّوه يا أولاد؟ مليون سند. ما هذا؟ مليون سند وعشرين [ألف راوٍ]، وأنا ما زلت أدرس!
وهل هناك أحد قال لك ادرس؟ بل نحن من يدرس. هل قال لك أحد ذاكر؟ انتبه إلى عملك أنت؛ إن كنت في مختبر أو في الطب أو في الهندسة أو في التجارة أو في الإعلام أو هنا، اتركونا نحن ندرس الدين ونعمل فيه هاهنا.
وهل أنتم تعلمون من هم العشرون ألفًا؟ يا الله! أو تعجبون أن منّ الله علينا بالعلم؟ أم ماذا؟ إننا أهل العلم كله.
التحذير من هدم ما بناه العلماء والإعلان عن درس الإجماع والقياس القادم
عشرون ألف إنسان عملوا مليون سند، ستون ألف حديث، ثقّلوا على أدمغة أولاد الأكابر. الأكابر فعلوا هكذا، وأولادهم يريدون أن يهدموا ما فعلوه!
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]
الدرس الرابع والثالث [القادم سيكون عن] الإجماع؛ سيكون الدرس القادم ونتحدث عن الإجماع والقياس.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
