سورة النساء | حـ 707 | 74 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تفسير الآية "فليقاتل في سبيل الله الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة" يتضمن أن الباء غالباً تدخل على المتروك في اللغة العربية.
- •معنى الآية أن الذين اختاروا الدنيا على الآخرة عليهم القتال في سبيل الله.
- •يُطرح إشكال حول كيفية حصول من يحب الدنيا على أجر عند الله، خاصة مع حديث النبي بأن من يقاتل في سبيل الله هو من يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
- •التوضيح أن المقاتل إذا كان محباً للدنيا لكن قصده الأساسي من القتال أن تكون كلمة الله هي العليا، فهو يقاتل في سبيل الله وله أجر.
- •يختلف هذا عن من يقاتل للانتقام أو للمال فقط دون اهتمام بانتصار الإسلام.
- •جمهور العلماء ومنهم ابن رجب في شرحه للبخاري يرون أن محبة الدنيا لا تمنع كون القتال في سبيل الله إذا كان هدفه إعلاء كلمة الله.
- •المقاتل المحب للدنيا لكن غايته نصرة دين الله يثاب على قتاله.
مقدمة وتفسير قوله تعالى فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿فَلْيُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ [النساء: 74]
وذكرنا في حلقة سابقة أن الباء قد تدخل على المتروك كما هو شأنها في العربية، كقوله تعالى:
﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 61]
وقد في بعض الأحيان القليلة تدخل على المحصَّل وليس على المتروك. فإذا جعلناها تدخل على المتروك أصبح الكلام معناه: فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا وتمكنت الحياة الدنيا من قلوبهم واختاروها على الآخرة وتركوا الآخرة بالآخرة؛ لأن الباء تدخل على المتروك.
سؤال حول كيفية حصول محب الدنيا على أجر القتال في سبيل الله
وهنا سؤال يُطرح فيقول: كيف يكون لمن كانت الحياة الدنيا في قلبه أجرٌ عند الله؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «من قاتل حميةً، ومن قاتل كذا وكذا» - حديث طويل - قالوا: قال في النهاية: «وإنما من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»
يعني الذي يقاتل حميةً أو عن عِرضه أو عن ماله أو عن وطنه ليس في سبيل الله، وإنما الذي هو في سبيل الله ذلك الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
أمثلة على من يقاتل لغير سبيل الله كالانتقام وطلب المال
حسنًا، هذا محبٌّ للدنيا ويقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ما معنى الكلام؟ شخص محبٌّ للدنيا، إلى أين أنت ذاهب؟ ذاهبٌ لأقاتل مقاتلًا. لماذا؟ فقيَّدها الله بأن تكون في سبيل الله.
قال: لأن أخي مات في الحرب الأولى وذاهبٌ لأنتقم وآخذ بثأره. آه، هذا ليس في سبيل الله.
هذا قال: لأن أحصل على المال فقط. قال: فقط؟ قال: يعني لو حصلتُ على المال وانهزمنا لا يحدث شيء، المهم المال. إنما متى يكون القتال في سبيل الله؟ عندما نسأله فقلنا له: أنت تقاتل الآن في سبيل الله من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا؟ قال: نعم، أقاتل من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا.
حكم من يقاتل في سبيل الله مع حبه للدنيا وطمعه في الغنيمة
ولم تحدثك نفسك بالغنيمة؟ قال: لا، حدثتني نفسي بالغنيمة، والله إنني أحب المال مثل عيني، أحب أنا الدنيا، ولكنني ذاهبٌ من أجل أن تكون كلمة الله العليا.
وهنا فإن جمهور العلماء على أنه يقاتل في سبيل الله وأن له أجرًا، ونصَّ على ذلك ابن رجب في شرحه للبخاري [فتح الباري لابن رجب]. الكلام الذي أقوله هذا يقول لك: من أين جئتَ به؟ تراجع ابن رجب على البخاري فتجده أنه يقاتل في سبيل الله مع حبه للدنيا.
أينفع؟ نعم ينفع، نعم ينفع أن يقاتل في سبيل الله. وما معنى في سبيل الله؟ لتكون كلمة الله هي العليا، وهو محبٌّ للدنيا، لا يضره شيء.
حب الدنيا مسألة عارضة لا تمنع أجر القتال في سبيل الله
فهذا محبٌّ للدنيا، وهذه مسألة عارضة، فماذا سنفعل به؟ هل لا بد أن تكره الدنيا؟ قال: لا، ليس ضروريًا.
إنه لا يتذكر الآخرة كثيرًا؟ قال: لا، أتذكرها كثيرًا. فماذا عندما يؤتيك الله في الآخرة أجرًا عظيمًا؟ قال: الحمد لله، أنا أحب الخير دائمًا، لكن الدنيا أيضًا [أحبها].
